Site blog

الصناعة القرآنية للإنسان: من قطع العلائق إلى كمال العبودية
خلاصة فكرية لمحاضرة الدكتور جمال عبد الستار
الأمة اليوم في أحوج ما تكون إلى الإنسان المصنوع وفق مراد الله. ومفهوم "الصناعة" يختلف جذرياً عن مجرد التعليم أو التربية أو الإصلاح؛ فالتعليم إضافة للمعلومات، والتربية زيادة في القيم، والإصلاح ضبط للأعطال، أما الصناعة فتجمع كل ذلك في أهدافها ووسائلها ومدتها. وقد استعمل القرآن الكريم هذا اللفظ بوضوح في قوله تعالى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}، وقوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}.
إن الإعجاز التغييري للقرآن هو من أبرز أنواع الإعجاز التي نحتاج إلى إبرازها. فالقرآن لم يبنِ الجيل الأول من خامات جاهزة، بل صاغهم صياغة فريدة، وحولهم في زمن قياسي من أمة تتناحر على أتفه الأسباب إلى سادة للأمم وقادة للدنيا.
الركيزة الأولى: قطع العلائق
تبدأ صناعة الإنسان الرسالي بقطع العلائق الدنيوية، ليكون للمرء مصدر واحد للتلقي والتربية، وهو "الوحي". وقد تجلى هذا المبدأ بوضوح في سير الأنبياء:
- إبراهيم عليه السلام: قُطعت علائقه بوالده الذي كان يصنع الأصنام، ليتربى على التوحيد الخالص.
- محمد صلى الله عليه وسلم: نشأ يتيماً منقطع العلائق بالأب والأم، ليتولى الله سبحانه وتعالى صناعته.
- موسى عليه السلام: أُخذ من أمه ورُبي في قصر فرعون، على عكس مرادات التربية البشرية.
- يوسف عليه السلام: أُبعد عن حضن أبيه ليمر بابتلاءات البئر والعبودية والسجن.
قطع العلائق يعني التحرر من كل قيد يمنع الإنسان من السير إلى الله، سواء كان هذا القيد مالاً، أو سلطة، أو شهوة، أو حتى التقاليد والعادات البالية، ليكون الدخول على الله بقلب سليم، امتثالاً لقوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.
الحج كنموذج تطبيقي للعبودية الخالصة
تأتي العبادات والمواسم الشرعية، كالحج وعشر ذي الحجة، لتساعد في هذه الصناعة القرآنية. الحج ليس مجرد مناسك شكلية؛ بل هو مدرسة عملية لقطع العلائق مع الدنيا.
حين يحرم الحاج من الميقات، فإنه يخلع معه كل دواعي التفاضل الدنيوي من أزياء ومناصب وثروات، ليدخل على الله من باب واحد فقط: باب العبودية. وعندما يطوف بالكعبة، فهو يعلن بلسان الحال والمقال أنه يطوف مع الإسلام حيث دار، ويدور مع الوحي، لا مع أهوائه ولا مصالحه الشخصية.
أبواب التعرف على الله
لا يمكن للإنسان أن يقطع علائقه بالدنيا بحق، إلا إذا امتلأ قلبه بمعرفة الله. وكلما تعرف العبد على ربه، استغنى به عن كل شيء واعتز به فوق كل شيء. والتعرف على الله له بابان عظيمان:
1. التعرف على أسمائه وصفاته: تحويل أسماء الله الحسنى إلى منهجية تربوية حية. فمن أدرك حقاً معنى اسم الله "السميع"، وأيقن أنه لا يغيب عن سمعه شيء من همس أو جهر، استقام حاله، وعاش مستشعراً مراقبة الله في كل سكناته وحركاته.
2. التفكر في آلائه ومخلوقاته: دعانا القرآن مراراً للتأمل في الكون والنفس، كما في قوله: > {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}، وقوله: > {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ}. إن في كل ذرة في هذا الكون آية وبصمة تدل على الخالق المدبر لمن أبصر وتفكر.
عرفة: فرصة الميلاد الجديد ودفن الذنوب
يوم عرفة هو يوم "التعرف"، حيث يتجرد الإنسان من كل انشغالاته ليدخل على الله بقلب منكسر. العبرة في عرفة ليست بمجرد كثرة الأذكار، بل بصدق التوجه.
عرفة هو المكان الذي تُدفن فيه الذنوب بلا رجعة، وذلك عبر خطوات عملية صارمة:
- حسن الظن بالله: الدخول على الله بيقين كامل في رحمته وقبوله.
- الندم والإقلاع: استحضار الذنوب، والندم على فعلها، والعزم الأكيد على عدم العودة إليها.
- رد المظالم: وهو الشرط الأخطر؛ فحقوق العباد لا تسقط بمجرد الاستغفار أو الحج. فمن اقتطع حق امرئ مسلم فقد أوجب الله له النار، ولا بد من التحلل من المظالم وإعادة الحقوق لأصحابها لتكتمل التوبة.
الخاتمة: بيعة على إقامة الدين
· إن الإنسان الرسالي، المصنوع على عين الله، هو من يجدد البيعة مع خالقه على حَمْل هذا الدين وإقامته في الأرض، مستحضراً قوله تعالى: > {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. وإذا ما ضاقت به السبل، آوى إلى "كهف" الخلوة والمناجاة ليصحح بوصلته، موقناً أن الفرج والفتح مرتبطان بصدق القلوب، كما قال تعالى: > {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}.
· فلنجعل من هذه المعاني القرآنية والمحطات الإيمانية انطلاقة لـ "صناعة إنسان" لا يلين ولا ينكسر، متمسكاً بدعاء النبي الأكرم: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر".

كيف ننتفع بالقرآن؟
مدخل: في هذه الظروف التي نحياها مع ضغط الحياة وإكراهات الواقع وانشغالنا في أعمالنا اليومية والهموم الحياتية وتزاحم الأعمال، قلّ ارتباطنا بالقرآن تلاوة وتدبراً، وجمدت قلوبنا لفهم آياته واستلهام معانيه، يصف لنا الإمامُ ابنُ القيم وصفةً تربوية لعلاج هذا الواقع، وذلك من خلال تدبّره لقول الله تعالى:
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذْكِرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ )ق: 37).
وسوف نقارب هذا المقال في المحاور الثلاث التالية:
وقفات تربوية من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله
هذه الآية العظيمة رسمت الطريق إلى الانتفاع بالقرآن، وقد استخرج منها الإمام ابن القيم رحمه الله قاعدة جليلة، وهي أن أثر القرآن في القلب لا يتحقق إلا إذا اجتمعت أسباب أربعة.
أولًا: استحضر عظمة المتكلم
إذا فتحت المصحف أو استمعت إلى القرآن، فلا يكن همك إنهاء الورد أو إتمام السورة، بل استحضر أن الذي يخاطبك هو رب العالمين، وأن هذا القرآن رسالة الله إليك، يدعوك بها إلى الهدى، ويعرفك بنفسه، ويأمرك وينهاك، ويبشرك وينذرك.
فكلما قوي هذا الاستحضار، ازداد حضور القلب، وعظم الانتفاع.
ثانيًا: أركان الانتفاع بالقرآن
1- المؤثر: كلام الله
القرآن هو مصدر الهداية والنور والشفاء، وهو وحده القادر - بإذن الله - على إحياء القلوب وتغيير النفوس.
2- المحل القابل: القلب الحي
ليس كل قلب ينتفع بالقرآن؛ وإنما ينتفع به القلب الحي الذي يطلب الحق، ويحب الهدى، ويخشى الله، أما القلب الغافل أو القاسي فيضعف تأثره مهما كثرت التلاوة.
3- الشرط: حسن الإصغاء
وهو أن يجتمع السمع والقلب على تدبر الآيات، فلا يقتصر الإنسان على سماع الألفاظ، بل يتأمل المعاني، ويتفكر فيما يقرأ.
4- زوال المانع
وأعظم الموانع غفلة القلب، وانشغاله بالدنيا، أو شرود الفكر أثناء التلاوة. فإذا حضر القلب، وزالت الغفلة، ظهر أثر القرآن في النفس.
ولهذا فإن اجتماع القرآن، والقلب الحي، والإنصات، وحضور القلب هو مفتاح الانتفاع بكلام الله.
ثالثًا: الناس في تلقي القرآن
يشير ابن القيم رحمه الله إلى أن الناس ليسوا سواء في الانتفاع بالقرآن.
فمنهم من رزقه الله قلبًا حيًا وفطرة سليمة، فإذا سمع القرآن وافق ما فيه ما استقر في قلبه من محبة الحق، فازداد يقينًا، واجتمع له نور الفطرة مع نور الوحي، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿نورٌ على نور﴾.
ومنهم من يحتاج إلى مزيد من التأمل والإصغاء والتدبر حتى يتبين له الحق، فيقوده القرآن إلى الهداية شيئًا فشيئًا. وكلا الفريقين على خير، لكن الأول أكمل بصيرة وأقوى يقينًا.
كيف نجعل للقرآن أثرًا في حياتنا؟
- اقرأ وأنت تستحضر أنك بين يدي الله.
- ابدأ التلاوة بقلب فارغ من الشواغل قدر المستطاع.
- اقرأ بتأنٍ، ولا تجعل همك كثرة الصفحات.
- كرر الآية التي تؤثر في قلبك.
- اسأل نفسك عند كل أمر أو نهي: ما الذي يريده الله مني؟
- اجعل لكل ورد قرآني ثمرة عملية تطبقها في يومك.
رسالة أخيرة
قد يقرأ اثنان المقدار نفسه من القرآن، لكن أحدهما يخرج بقلب امتلأ إيمانًا وخشية، والآخر لا يكاد يتغير؛ لأن الفرق ليس في مقدار القراءة، وإنما في مقدار حضور القلب.
فإذا أردت أن يكون القرآن ربيع قلبك، فاجمع عليه قلبك، وألق إليه سمعك، وأقبل عليه بكل جوارحك، فإن القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن أقبل عليه بقلب حي، وعقل متدبر، ونفس متعطشة للهداية.
قال ابن القيم رحمه الله: إذا حصل المؤثر، وهو القرآن، ووجد المحل القابل، وهو القلب الحي، ووجد الشرط، وهو الإصغاء، وانتفى المانع، وهو اشتغال القلب وغفلته؛ حصل الأثر، وهو الانتفاع والتذكر.
المصدر: الفوائد لابن القيم، ص3-5.

بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)} [ق: 37]
الفوائد لابن القيم (ص: 3)
قَاعِدَة جليلة إِذا أردْت الِانْتِفَاع بِالْقُرْآنِ فاجمع قَلْبك عِنْد تِلَاوَته وسماعه
وأَلْقِ سَمعك واحضر حُضُور من يخاطبه بِهِ من تكلّم بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ فانه خَاطب مِنْهُ لَك على لِسَان رَسُوله قَالَ تَعَالَى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد} وَذَلِكَ أَن تَمام التَّأْثِير لمّا كَانَ مَوْقُوفا على مُؤثر مُقْتَض وَمحل قَابل وَشرط لحُصُول الْأَثر وَانْتِفَاء الْمَانِع الَّذِي يمْنَع مِنْهُ تضمّنت الْآيَة بَيَان ذَلِك كلّه بأوجز لفظ وأبينه وأدلّه على المُرَاد فَقَوله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى} اشار إِلَى مَا تقدّم من أوّل السُّورَة الى هَهُنَا وَهَذَا هُوَ المؤثّر وَقَوله {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} فَهَذَا هُوَ الْمحل الْقَابِل وَالْمرَاد بِهِ الْقلب الحيّ الَّذِي يعقل عَن الله كَمَا قَالَ تَعَالَى {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا} أَي حيّ الْقلب وَقَوله {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} أَي وجَّه سَمعه وأصغى حاسّة سَمعه إِلَى مَا يُقَال لَهُ وَهَذَا شَرط التأثّر بالْكلَام وَقَوله {وَهُوَ شَهِيدٌ} أَي شَاهد الْقلب حَاضر غير غَائِب
قَالَ ابْن قُتَيْبَة اسْتمع كتاب الله وَهُوَ شَاهد الْقلب والفهم لَيْسَ بغافل وَلَا ساه وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الْمَانِع من حُصُول التَّأْثِير وَهُوَ سَهْو الْقلب وغيبته عَن تعقّل مَا يُقَال لَهُ وَالنَّظَر فِيهِ وتأمّله فَإِذا حصل الْمُؤثر وَهُوَ الْقُرْآن وَالْمحل الْقَابِل وَهُوَ الْقلب الْحَيّ وَوجد الشَّرْط
وَهُوَ الإصغاء
وانتفى الْمَانِع وَهُوَ اشْتِغَال الْقلب وذهوله عَن معنى الْخطاب
وانصرافه عَنهُ إِلَى شَيْء آخر حصل الْأَثر
وَهُوَ الِانْتِفَاع والتذكّر
فَإِن قيل إِذا كَانَ التَّأْثِير إِنَّمَا يتم بِمَجْمُوع هَذِه فَمَا وَجه دُخُول أَدَاة أَو فِي قَوْله
{أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} والموضع مَوضِع وَاو الْجمع لَا مَوضِع أَو الَّتِي هِيَ لأحد الشَّيْئَيْنِ قيل هَذَا سُؤال جيّد وَالْجَوَاب عَنهُ أَن يُقَال خرج الْكَلَام بِأَو بِاعْتِبَار حَال الْمُخَاطب الْمَدْعُو فَإِن من النَّاس من يكون حَيّ الْقلب واعيه تَامّ الْفطْرَة فَإِذا فكَّر بِقَلْبِه وجال بفكره دلّه قلبه وعقله على صحّة الْقُرْآن وَأَنه الْحق وَشهد قلبه بِمَا أخبر بِهِ الْقُرْآن فَكَانَ وُرُود الْقُرْآن على قلبه نورا على نور الْفطْرَة وَهَذَا وصف الَّذين قيل فيهم {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحق} وَقَالَ فِي حقّهم الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاء فَهَذَا نور الْفطْرَة على نور الْوَحْي وَهَذَا حَال صَاحب الْقلب الْحَيّ الواعي قَالَ ابْن الْقيم وَقد ذكرنَا مَا تضمّنت هَذِه الْآيَة من الْأَسْرَار والعبر فِي كتاب اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية على غَزْو المعطّلة والجهميّة فَصَاحب الْقلب يجمع بَين قلبه وَبَين مَعَاني الْقُرْآن فيجدها كَأَنَّهَا قد كتبت فِيهِ فَهُوَ يَقْرَأها عَن ظَهْر قَلْب
وَمن النَّاس من لَا يكون تامَّ الاستعداد واعي الْقلب كَامِل الْحَيَاة فَيحْتَاج إِلَى شَاهد يميّز لَهُ بَين الْحق وَالْبَاطِل وَلم تبلغ حَيَاة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صَاحب الْقلب الْحَيّ الواعي فطريق حُصُول هدايته أَن يفرغ سَمعه للْكَلَام وَقَلبه لتأمله والتفكير فِيهِ وتعقل مَعَانِيه فَيعلم حِينَئِذٍ أَنه الْحق فَالْأول حَال من رأى بِعَيْنِه مَا دعِي إِلَيْهِ وَأخْبر بِهِ وَالثَّانِي حَال من علم صدق الْمخبر وتيقّنه وَقَالَ يَكْفِينِي خَبره فَهُوَ فِي مقَام الْإِيمَان والأوّل فِي مقَام الْإِحْسَان هَذَا قد وصل إِلَى علم الْيَقِين وترقى قلبه مِنْهُ إِلَى فنزلة عين الْيَقِين وَذَاكَ مَعَه التَّصْدِيق الْجَازِم الَّذِي خرج بِهِ من الْكفْر وَدخل بِهِ فِي الْإِسْلَام فعين الْيَقِين نَوْعَانِ نوع فِي الدُّنْيَا وَنَوع فِي الْآخِرَة فَالْحَاصِل فِي الدُّنْيَا نسبته إِلَى الْقلب كنسبة الشَّاهِد
إِلَى الْعين وَمَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل من الْغَيْب يعاين فِي الْآخِرَة بالأبصار وَفِي لدُنْيَا بالبصائر فَهُوَ عين يَقِين فِي المرتبتين، انتهى
التعليق
الحمدالله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد
فقد وصف الله المؤمنين بصفة متعلقة بالقرآن الكريم لقوله تعالى
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)} [الأنفال: 2]
لاحظ ان فعل تليت مبن للمجهول فأي تال يتلو القرآن يؤثر في المؤمن
فأقترح برنامجا عمليا كما يلي
أولا: إن تدبر الآيات هو المانع من النفاق لقوله تعالى
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)} [محمد: 24]
ثانيا: أن تقرأ يوميا من التفاسير المبسطة "صفوة التفاسير" أو "مختصر تفسير ابن كثير" للشيخ محمد علي الصابوني صفحة واحدة على الأقل حتى تختم تفسير القرآن كاملا
إضافة لذلك
ثالثا: أن تستمع للقرآن بصوت منخفض عندما تأتي لتنام فهذا السماع سيؤدي حتما لزيادة الإيمان
رابعا: أن تقرأ بالحد الأدنى جزءا من القرآن يوميا
خامسا: ألا تستمع نهائيا للأغاني والمسلسلات الماجنة لقول الله عز وجل
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6)} [لقمان: 6]
وهذه الآية نزلت في رجل إبتاع جارية كانت تغني له ليل نهار، وهذا السماع للأغاني منافي للحكمة
فسورة لقمان سورة الحكمة
واعلم ان خير الأعمال أدومها وإن قل
سادسا: وإن من وصايا الشيخ عبد الله عزام رحمه الله أن احتفظ بنسخة من القرآن الكريم في جيبك تقرأ منها في كل أوقات الترحال وغيرها
هذا والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

ثمة خطأ استراتيجي يقع فيه الكثيرون حين يرهنون توازنهم النفسي، ومستقبلهم، بل ونجاتهم الأخروية، على "خيار وحيد"؛ سواء كان شهادة علمية، أو وظيفة مرموقة، أو حتى شعيرة تعبدية واحدة يظنون فيها النجاة. إنَّ حصر الذات في زاوية واحدة هو وضعٌ للنفس على حافة الخطر؛ فماذا لو اهتزت تلك الوظيفة؟ أو تبين للمرء أنَّ عمله الصالح قد اعتراه نقصٌ أو غابت عنه روح الإخلاص؟
الوضعية الصحيحة للإنسان الراشد هي "تعديد الميزات" وترقية الخصائص، بحيث لا يسقط بسقوط أحدها:
في الفضاء التعبدي: قيام الليل فضيلة كبرى، لكن السلامة تقتضي ألا يغيب عنها برّ الوالدين، أو صدقة السر اليومية، أو المسارعة للمساجد. التكامل في العبادة هو الذي يصنع "المؤمن الشمولي" لا المؤمن الظرفي.
في المسار المهني والعلمي: لم يعد الاكتفاء بتخصص واحد ضمانة للأمان. المهندس المبدع هو الذي يمدُّ بصره نحو إدارة المشاريع، والمعلم المتميز هو الذي يمتلك ناصية "التعلم التعاوني" أو "اللعب التربوي". إتقان لغة ثانية ليس ترفاً، بل هو "نافذة إضافية" لرؤية العالم.
في المواطنة الحضارية: تعاني الأمة من ثغراتٍ كثيرة، والحل لا يأتي من الشعارات، بل من "التفوق على الأقران". التمتع بميزات إضافية يجعل من المرء "رقماً صعباً" في معادلة النهوض، وجزءاً حقيقياً من الحل بدلاً من أن يكون عبئاً جديداً على المشكلة.
الخلاصة:
النجاح ليس نقطة واحدة نصل إليها، بل هو "مساحة" تتسع كلما أضفنا لأنفسنا مهارة جديدة، أو خبيئة صالحة، أو معرفة نافعة. إنَّ تشعب العطاء هو الذي يحمي النفس من الانهيار عند الأزمات، وهو الذي يجعل الأثر أبقى وأعمق.

{وَٱلۡفَجۡرِ (١) وَلَیَالٍ عَشۡرࣲ (٢) وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ (٣) وَٱلَّیۡلِ إِذَا یَسۡرِ (٤) هَلۡ فِی ذَ ٰلِكَ قَسَمࣱ لِّذِی حِجۡرٍ (٥)}
[سُورَةُ الفَجۡرِ: ١-٥]
قَسَمٌ عَظِيمٌ طَوِيلٌ،
بَدَأَ بِالفَجْرِ: مُتَطَلَّعِ الصَّابِرِينَ، وَانْبِلَاجِ الصُّبْحِ لِلوَاثِقِينَ، الفَجْرِ الَّذِي يُعْقِبُ كُلَّ لَيْلٍ مَهْمَا طَالَ، وَهُوَ آتٍ لَا مَحَالَةَ؛ لِيُبَدِّدَ الظَّلَامَ وَيَنْشُرَ النُّورَ.
وَثَنَّى بِاللَّيَالِي العَشْرِ المُبَارَكَاتِ:
عَشْرِ رَمَضَانَ الأَوَاخِرِ، وَفِيهَا لَيْلَةُ القَدْرِ، وَعَشْرِ ذِي الحِجَّةِ الأُوَلِ، وَفِيهَا مَنَاسِكُ الحَجِّ.
مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ، وَمَا يَعْدِلُ العَمَلَ فِيهَا سِوَاهُ مِنَ الأَوْقَاتِ، كَمَا أَوْصَانَا قَائِدُنَا النَّبِيُّ الشَّاهِدُ الشَّهِيدُ ﷺ:
«مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ».
يَعْنِي: أَيَّامَ العَشْرِ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟
قَالَ: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
وَهِيَ لَيَالٍ مَعْدُودَاتٌ، لَئِنْ ظَنَّ الظَّانُّ بِلَيْلِهَا الظُّنُونَ، فَهِيَ خَيْرٌ كُلُّهَا، وَالفَجْرُ لَا مَحَالَةَ آتٍ لَا يَتَخَلَّفُ.
وَأَقْسَمَ بِالشَّفْعِ وَالوَتْرِ، وَقِيلَ: هُمَا يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمُ عَرَفَةَ مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ المُبَارَكَاتِ.
فَيَوْمُ عَرَفَةَ ذِرْوَةُ الاجْتِهَادِ وَالسَّعْيِ، وَيُتَوَّجُ بِيَوْمِ العِيدِ، يَوْمِ الحَجِّ الأَكْبَرِ، يَوْمِ الجَائِزَةِ.
وَيَخْتِمُ القَسَمَ بِاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي: بِسِتَارِ اللَّيْلِ يَنْسَدِلُ بِهُدُوءٍ لَطِيفٍ عَلَى تِلْكَ المَشَاهِدِ، مَشَاهِدَ كُتِبَتْ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِأَمْرِ مَالِكِ المُلْكِ الَّذِي لَا يُخْلِفُ المِيعَادَ.
{هَلۡ فِی ذَ ٰلِكَ قَسَمࣱ لِّذِی حِجۡرٍ}
ذَاكَ قَسَمٌ وَاضِحٌ حَاسِمٌ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ، فَمَا هُوَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ؟
{إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ}
وَوَضَّحَ ذَلِكَ بِالأَمْثِلَةِ:
{أَلَمۡ تَرَ كَیۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ (٧) ٱلَّتِی لَمۡ یُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِی ٱلۡبِلَـٰدِ (٨) وَثَمُودَ ٱلَّذِینَ جَابُوا۟ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ (٩) وَفِرۡعَوۡنَ ذِی ٱلۡأَوۡتَادِ (١٠) ٱلَّذِینَ طَغَوۡا۟ فِی ٱلۡبِلَـٰدِ (١١) فَأَكۡثَرُوا۟ فِیهَا ٱلۡفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَیۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ (١٣)}
[سُورَةُ الفَجۡرِ: ٦-١٣]
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، وَمَا بَعْدَهَا مِنْ ثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ، وَكُلِّ مَنْ طَغَى فِي البِلَادِ وَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ غَافِلٌ عَنْهُ؟
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ فِي هَذِهِ العَشْرِ قَدْ نَجَّى أَبَانَا إِسْمَاعِيلَ مِنَ الذَّبْحِ، وَفَدَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَفِيهَا أَتَمَّ نِعْمَتَهُ، وَنَزَلَتْ آيَةُ إِكْمَالِ الدِّينِ، وَكَانَتْ خُطْبَةُ الوَدَاعِ المُبَارَكَةُ.
فَرَبُّكَ بِالمِرْصَادِ لِكُلِّ طَاغِيَةٍ وَمُتَكَبِّرٍ، وَهُوَ نَاصِرُ دِينِهِ، وَمُعِزُّ جُنْدِهِ المُؤْمِنِينَ.
إِنَّهَا عَشْرٌ قَلِيلَةٌ فِي عَدَدِهَا، عَظِيمَةٌ فِي أَثَرِهَا.
فَمِنَّا مَنْ يَرَاهَا خَاتِمَةً لِعَامٍ، وَمِنَّا مَنْ يَرَاهَا فَجْرَ عَامٍ، وَلَكِنْ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ أَنَّنَا نَتَقَلَّبُ بَيْنَ شَفْعٍ وَوَتْرٍ:
شَفْعٍ تَالٍ لِغَيْرِهِ، وَوَتْرٍ يَنْفَرِدُ.
فَحَيَاتُنَا شَفْعٌ؛ فَكُلُّ يَوْمٍ تَالٍ لِسَابِقِهِ، وَذَاكَ نَفْسُهُ مُنْفَرِدٌ بِذَاتِهِ.
وَلَسَوْفَ يَأْتِي يَوْمٌ لَا شَفْاعَة فيه، فَتَنْقَطِعُ فِيهِ تَتَابُعَاتُ الدُّنْيَا وَأَسْبَابُهَا، وَيُسْدَلُ فِيهِ السِّتَارُ عَنْ رِحْلَةِ الحَيَاةِ، وَيَبْزُغُ فِيهِ فَجْرُ عَالَمٍ جَدِيدٍ.

أفضل منه أو مثله
أ. محمد أبو عبد الرحمن{مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَایَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَیۡرࣲ مِّنۡهَاۤ أَوۡ مِثۡلِهَاۤۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ} [سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٠٦]
تشير هذه الآية الكريمة إلى أن من سنن الله تعالى تغيير تشريعات بأخرى مثلها أو تفوقها مصلحة للناس،
وقد ظهر ذلك جليا في إرسال رسل بشرائع تنسخ سابقاتها أو بعضا منها، فقد جاءنا أن عيسى عليه السلام جاء بتشريعات تنسخ بعضا مما كان قبله "ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم"، وقال تعالى عن القرآن الكريم أنه مهيمن على ما سبقه {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} سورة المائدة (48)،
وقد ذكر علماء المسلمين أن النسخ في الأحكام قد ثبت وجاءت آية النسخ الكريمة وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم توضح ذلك وجاءت الأحكام مناسبة لتغير حال الأمم، فنتعلم منها ان علينا مراعاة تغير الأحوال في تشريعاتنا وقراراتنا،
وقد جاءت الشريعة المطهرة لتكون الباقية لجميع الأزمان والأمم فاحتوت على ما هو ثابت لا اجتهاد فيه مثل العبادات وأصول الإيمان وبعض الثوابت كأحكام الميراث، وأما الكثير من المعاملات فجاءت الشريعة بمبادئ ومحددات كالعدالة والشورى علينا مراعاتها في تشريعاتنا وقراراتنا ، وتلك المبادئ والمحددات تندرج تحتها مساحة الاجتهاد وتفاوت الرأي في تحقيق المصالح،
وإن ما يتخذه الناس كل من موقعه من قرارات هو نتيجة اجتهادات وموازنات يغلب فيها جوانب على أخرى،
وكلما تعددت الاختيارات وتداخلت كان الأمر يتطلب تمحيصا وتداولا من أهل الاختصاص والخبرة وذلك ينطبق على سائر جوانب حياتنا السياسية والتجارية والاجتماعية وغيرها،
إن اتخاذ قرار له آثار محدودة قد لا تتعدى الشخص أو المكان أو الزمان يحسنه الكثير من الناس ولكن ما ينبني عليه نتائج واسعة زمانا ومكانا ولها مابعدها يتطلب دراسة وتمحيصا ويزن المصالح والمفاسد من أهل الاختصاص والخبرة، وعليه يكون القرار المتخذ هو الحق النسبي، ولو تبين بعد ذلك أن فيه خطأ أو ظهر ما هو أفضل فلا تأخذنا العزة بل نسعى للأفضل،
وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حين أوصانا أنه من أقسم على أمر ثم تبين له ما هو أفضل منه فعليه أن يكفر عن يمينه ويفعل ما هو أفضل،
ولنا في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ما يوضح ويعضد، فقد كان أن اتفق صلى الله عليه وسلم مع قبيلة غطفان خلال حصار الخندق أن ينفكوا عن الأحزاب المحاصرة للمدينة ويعودوا إلى ديارهم مقابل دفع جزء من ثمار المدينة لهم، وحين عرض النبي هذا الأمر على الأنصار للنقاش كان رأيهم ألا يدفعوا شيئا وعليه أقر النبي ذلك وغير في القرار،
ولنا في بنود الحديبية مثال حيث رأى بعض الصحابة في بعضها إجحافا للمسلمين، ولكن تبين لهم لاحقا أنها كانت تعكس قراءةً دقيقةً للواقع، واستقراءً للمستقبل أفاد المسلمين وساهم في انتشار الدعوة خلال عامين أكثر من سنوات عديدة سابقة،
مما سبق يتوضح أن على صناع السياسات والمخططين أن يديموا التقييم والتعديل وأن يبقى الباب مفتوحا للنقد والمقترحات لتصويب القرارات وتجويد الأعمال،
إن القرار الذي نتخذه اليوم قد بني على ما توفر من معلومات وتحليلات فلو ظهر جديد أو تبين أن ما بني عليه من معلومات كان مغلوطا أو أسيء تأويله فالواجب المراجعة الدقيقة وتصويب القرارات،
كما ينطبق هذا على القرارات السياسية والتجارية فإنه ينطبق على التشريعات، فلو تبين أن قانونا خالف مبدأ العدالة لوجب إعادة النظر فيه وإحداث التعديل لما فيه من خلل.
إن سائر القرارات والاجتهادات هي نتاج تقييمات بشرية وازنت بين المصالح والمفاسد فهي الأصح في نظرنا ولا يدعي عاقل أنها الحق المطلق بل هو نسبي وقد يجد ما يدعونا لتغيير مواقفنا وقراراتنا لما تقتضيه المصلحة فلا ينكر على من يفعل ذلك بل هو الأحكم وهو ما نستقيه من الآية الكريمة أعلاه وتوجيه الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم.
معركة التحرير الكبرى: من قيود
الشيطان إلى رحاب الصدق
خلاصة فكرية لمحاضرة الدكتور جمال
عبد الستار
منذ اللحظة الأولى للهبوط على الأرض، أُعلنت خارطة الطريق بوضوح:" قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ". هبط الإنسان بمشروعه الإيماني، وهبط الشيطان بمشروع الاستقلال والفساد. ومنذ ذلك الحين، انقسمت المسارات إلى فريقين لا ثالث لهما: فريق هدى، وفريق حق عليهم الضلالة لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله.
الشيطان.. احتلال العقول والمراكز
إن أخطر ما في مشروع الشيطان ليس كسر الأبواب، فهو لا يملك سلطة الإجبار، بل سلطة "الوسوسة". الشيطان يتسلل ولا يقتحم؛ يفتح الباب بفكرة، فإذا استجبت لها، حملت أنت مسؤولية الدخول.
لقد تسلل هذا العدو إلى "مراكز القيادة" فينا:
- ثوابت العقيدة: ألقى عليها سموم الشك.
- وساد الأخلاق: وضع عليه تدبيرات الفساد.
- العلاقة بالله: زرع فيها الشبهات وعدم الثقة بالوعد.
هذا التسلل تحول إلى "احتلال كامل" للقلب، فأصبح المرء يتحرك بأمر وسوسته، حتى في أقدس العبادات. كم منا من يدخل الصلاة "مخطوفاً"؟ يكبر تكبيرة الإحرام، فيفتح الشيطان له سجلات الدنيا وخططها، ليخرج من صلاته ولم يُكتب له منها إلا عُشرها!
رمضان.. فرصة لاستعادة "مركز القيادة"
يأتي رمضان والعدو الرئيسي "مصفد"، وهذه منحة إلهية كبرى، لكن المشكلة تكمن فينا نحن "المكبلين" بآثار ذلك الاحتلال القديم. إن مهمتنا الرئيسية في هذا الشهر ليست مجرد إتمام "برنامج" أو صيام "جسد"، بل هي استعادة مركز القيادة (القلب).
إذا لم تتحرر النفوس من الداخل، فلن تتحرر الأمة في الخارج. التحرر يبدأ بـ "تخلية" القلب من الذنوب القديمة التي يتخذها الشيطان ثغوراً يدخل منها، ثم "تحليته" بالصدق.
الصدق: مفتاح النصر والقبول
الصدق هو الذي يختصر المسافات بين الأرض والسماء. كما قال النبي ﷺ للأعرابي: "إن تصدق الله يصدقك". الصدق ليس كلمة تقال، بل هو منهج حياة يشمل:
مدخل الصدق: أن تبدأ كل عمل خالصاً لله.
مخرج الصدق: أن تنتهي منه ثابتاً على الحق.
لسان الصدق: أن يضع الله لك القبول والذكر الحسن في العالمين.
إن ما يُحصّل في الصدور هو الذي يبقى في الموازين، وما كان للمظاهر والأجساد فهو "بعثرة" لا قيمة لها. رمضان هو "موسم التدبر" لا لمجرد التلاوة، بل لينزل القرآن على القلب فيحدث التغيير.
اليقين في زمن الفيلة
لا ينبغي لأهل الإيمان أن ترهبهم كثرة الخبث أو طوفان الظلم. في عالم الأسباب، كانت فيلة أبرهة لا تُقهر، لكن في عالم الغيب، كان هناك "هودج صغير" يجهزه الله (ميلاد النبي ﷺ) ليغير وجه التاريخ.
مهما علت أصوات "فيلة الباطل"، فإن "طيور الحق" ما زالت في السماء. واجبنا أن نكون "حقاً" ليزهق بنا الباطل، فالله لا يقذف بالموهوم، بل "نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ".
خاتمة: ليكن شعارنا في رمضان هذا العام: "التحرر". التحرر من العادات، من قيود الشيطان، ومن عبودية المظاهر. إن الله إذا علم في قلوبنا خيراً، آتانا خيراً مما أُخذ منا. لنصدق الإقبال على الله في "مُعتصر" التربية الرمضاني، لنخرج مؤهلين للقيام بواجبنا في "مُدثر" التمكين والنصر.

مركزية النوافل
في رسم حدود الشخصية المسلمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد:
فمما لا تخطئه العين في السلوك التربوي المعاصر التنظير بشكلٍ غير مقصودٍ لثقافة التزهيد في النوافل انطلاقًا من فقه الأولويات، والذي من بنوده أنَّ العلم أفضلُ من العلم، وأنَّ النفع المتعدي أفضل من النفع القاصر.
وهذا ليس بجادةٍ من السبيل؛ وذلك لأنَّ الأفضلية الواردة في النصوص تعني زيادة الفاضل على المفضول مع اشتراكهما في أصل الفضل، فالكلام يتوجه لمزيد العناية بالفاضل لمن تيسر له الانتظام فيه وليس عن ترك المفضول، فحين نقول: إنَّ أوراد العلم خيرٌ من أوراد العبادة فلا يُراد أن يُقبِلَ الإنسان على أوراد العلم ويُدبر عن أوراد العبادة، ولا يكون الترك التام إلا في مواطن استثنائية حين يحصل التعارض التام بين الأمرين، وعندئذٍ يكون من الفقه في الدين أن تقدم ما قدَّم الله.
وسياسة الشريعة الجمعُ بين الأمرين مع تغليب الفاضل في العناية متى قامت أسبابه وتوفرت معطياته، وقد تصبح الأفضلية للمفضول في الأصل إذا كان الوقت له، أو قامت الحاجة له، وذلك أنَّ الأفضلَ في كلِّ وقتٍ وحالٍ هو إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه، ولابن القيم رحمه الله تقريرٌ نفيسٌ لهذا المعنى ختمت به كتاب "أنيس المتعبد" فانظره إذا شئت.
وفي هذه المقالة الموجزة أذكر خمسةً من المعالم الهادية التي تُبرز مركزية النوافل بما يعيدها في الأذهان إلى مرتبتها التي تستحق، وذلك كما يلي:
أولًا: النوافل طريقٌ إلى المقامات الفاضلة:
ومن أبرز الأدلة على ذلك: ما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ.."([1]).
فترتَّب حبُّ الله تعالى للعبد على النوافل؛ وذلك لأنَّ الفريضة قد يفعلها العبد توقيًا من غضب الله وعقابه فيما لو ترك، أما النوافل فهو يفعلها حبًّا لله فجوزي بحبِّ الله له.
ولك أن تتخيل أنك صليت الظهر فرضًا وسُنَّةً ثم نصبت قدميك وصلَّيت ركعتين أو أربعًا لا لشيءٍ إلا لحب الوقوف بين يدي الله تعالى، فالقيمة الإيمانية هنا لا تقاس بنوع الصلاة هل هي فرض أو نافلة؟؛ بل بتلك النفسية التي تقبل على الله تعالى وتحب الوقوف بين يديه وتعظِّم أمره وتأنس بشعائر عبادته.
فمن وصل إلى هذه المنطقة من التعامل مع الله علم أنه لا يعامل الله معاملة التاجر الذي لا يجود بشيءٍ إلا إذا عرف ما يُقابله من الربح؛ بل يعامل ربه معاملة المسافر حين يعامل صاحبه ويراه كل شيء، وفي الحديث عند مسلم: "اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ"([2]).
ومن هنا نفهم أحد أسرار عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالنوافل؛ فقد كان يقوم كل ليلة نصف الليل أو أقل من ذلك أو أكثر، ويجعل صلاته في ثماني ركعات لا تَسَلْ عن حُسنهن وطولهن، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ولم يترك ذلك حتى فارق الدنيا، ولما تركه مرة قضاه في شوال، مع أن ليلة القدر توجد في رمضان دون غيره كما أنها في الليل دون النهار، وهذا إيذانٌ بأنَّ منافع التعبد أوسع بابًا من الأجر ولو عظُم.
وعلى ما تقرر فيمكن القول: إنَّ الفرائض تؤسس قاعدة العبودية أما النوافل فهي تتمم البنيان وتزينه.
ثانيًا: النوافل طريقٌ إلى الامتيازات الأخروية:
ومن أدلة ذلك: ما روى مسلم في صحيحه عن ربيعة بن كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: "سَلْ" فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ.
قَالَ: "أَوَغَيْرَ ذَلِكَ"؟
قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ.
قَالَ: "فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ"([3]).
وفي صحيح مسلم أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لثوبان رضي الله عنه: "عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ؛ فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً"([4]).
وروى أبو داود والترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا"([5]).
فهذه الدرجات العالية والامتيازات الفاخرة جعلها الله تعالى في حق المكثرين من النوافل.
وإذا ضممنا هذه النصوص وما على شاكلتها إلى المَعلم الفائت علمت أنَّ النوافل صنعة الكبار.
ومن أكثر الشواهد التي تفعل فعلها في نفسي قول الله سبحانه لنبيه وعبده زكريا عليه السلام: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] بعد سياقٍ طويلٍ يأخذ بالألباب، فالله أجابه هنا في أمرِ سنةٍ خارقة، وحين وصَّاه لم يجعل الوصية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمل ثقال الأمور في ذات الله كما هو القريب من الأذهان؛ بل كانت الوصية بكثرة الذكر؛ إيذانًا بأنَّه من صنعة الكبار، وأنه يُبلِّغ صاحبه المنازل الرفيعة.
وقل مثل ذلك أو قريبًا منه في الآيات التي تناولت مريم عليها السلام بعد ذلك، {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 42، 43].
ثالثًا: النوافل ترزق صاحبها الصفاء والنقاء والاتزان النفسي:
فكثرة الذكر وكثرة الركوع والسجود والتلاوة وما إلى ذلك لا يُنظر إليها على أنها مجردُ شعائر تعبدية؛ بل إنها تقطع عن صاحبها التشويش الإدراكي بما يُثمِرُ تهذيب النفس وراحة القلب وما يحتاجه من الصفاء والنقاء والاتزان النفسي في هذا العالم الصاخب.
وهذه ثمرةٌ عظيمةٌ بالغةُ النفعِ والأثر.
رابعًا: البصيرة والسداد في الأقوال والأفعال:
وهذه ثمرةٌ عن الاتزان النفسي؛ فإنَّ الإنسان يمارس القرارات صغيرها وكبيرها على مدار اليوم، والمكثر من النوافل أدنى من التوفيق وأقرب من السداد.
ومن الأدلة على ذلك: حديث البخاري الذي تقدم بعضه وفيه: "وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ"([6]).
وهذه ثمرةٌ عظيمة، فالذي يكثر من النوافل يحفظه ربه في أقواله وأفعاله وتوجهاته، فالكلام هنا عن بصيرةٍ معرفيةٍ وتوفيقٍ في اتخاذ القرار، وسداد في الحكم والفتوى والتقدير، وهذا واقعٌ ملموس.
خامسًا: قوة القلب والقدرة على مواجهة أعباء الحياة بجَلَد:
وبيان ذلك: أنَّ الذي يكثر من النوافل يعرف من أين تؤكل الكتف، ويرى من فضائل الله عليه ومن توفيقه ومن فَتحِ الله عليه في المعاني والمفاهيم ما يقوي مرجعيته الداخلية، وما يجعل لديه مركز ثقل داخلي لا يعرف للضعف أو اليأس سبيلًا، ويصبح أقوى عودًا وأعظم جلدًا في تحمل نوائب الحياة بعزمٍ وحزم.
إنَّ النوافل إذا جوَّدها صاحبها -وفي الطليعة منها قيام الليل- تقوي المناعة الداخلية بحيث يصبح على صلابةٍ لا يهتز بأدنى وارد كما لو آذاه أحدٌ في نفسه، فالاتصال بالقوي يقوي ويُثبِّت.
ومن هنا فإنَّ أي شخصٍ لا قدم له في التعبد لا بد وأن يصيبه التعب، وإذا قصر العبد في العمل ابتلاه الله بالهموم، وذلك حتى يدفع للعمل دفعًا، والمكابرة داءٌ لا دواء.
وحاصل القول: إنَّ النوافل تثبت وتقوي وتمنح السداد والبصيرة والصفاء والنقاء والاتزان النفسي والقوة في مواجهة أعباء الحياة، كما أنها طريقٌ إلى المقامات الفاضلة وإلى الامتيازات الكريمة في الآخرة.
وبما تقرر وتسطر يمكن أن نخلص إلى ما يلي:
- من أهمل أوراد التعبد لا بد وأن يعاني من قدرٍ من التعب.
- إنَّ أحوج الناس إلى الإكثار من النوافل من يتصدون لثغور الشأن العام من علمٍ ودعوةٍ وجهادٍ وسياسةٍ وغير ذلك؛ إذ إنَّ هؤلاء أحوج الناس إلى السداد والبصيرة وقوة القلب والجَلد والعزم والحزم والصفاء والنقاء فضلًا عن الخشية وقوة الديانة، وهذا الذي يفسر وفرة العناية بهذا الباب في حياة الأئمة كما تراه مثلًا في تراجم الأئمة الأربعة وغيرهم.
- إنَّ اختزال الشريعة في الفرائض هو تضخيمٌ للجانب القانوني من الدين، وليست الأحكام الشرعية إما واجبٌ وإما محرم، بل الواجب درجات والمحرم درجات، وبينهما السنة والمباح والمكره مع ما في كلِّ مرتبةٍ من درجات.
- ما تقرر في الفضائل يفسر لنا أحد أسرار اتساع الشريعة في التنظير للنوافل وترتيب الأجور عليها ليُقبل الناس عليها من تلقاء أنفسهم، وأحسب أن ترتيب الأجر الجزيل عليها يعني أن حجر الزاوية فيها هو في التربية على العناية بمحبوبات الله، وأن النفسية التي ترسمها النوافل حريٌّ أن يطلبها العبد ويحرص عليها ولو تعنى في ذلك.
- إنَّ النوافل لا تُؤَخَّر إلا إذا كانت على حساب غيرها لمن لم يتيسر له الجمع بين الأمرين، وذلك أنَّ المنهج الإسلامي يقوم على الجمع بين الفرائض والنوافل ما أمكن.
ولهذا كان من فقه الإمام أحمد بن حنبل قوله: "يعجبني أن يكون للرجل ركعاتٌ من الليل والنهار معلومة، فإذا نشط طوَّلها، وإذا لم ينشط خففها".
وهذا ما جاء به إفتاء الفقهاء؛ فهذا ابن قدامة المقدسي رحمه الله يقول: ويستحب أن يكون للإنسان تطوعاتٌ يداوم عليها فإذا فاتت فإنه يقضيها، وساق كلمة الإمام أحمد([7]).
وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى ذلك فقال: واستحب الأئمة أن يكون للرجل عددٌ من الركعات يقوم بها من الليل لا يتركها، فإن نشط أطالها وإن كسل خففها، وإذا نام عنها صلى بدلها من النهار كما كان النبي r إذا نام عن صلاة الليل صلى في النهار اثنتي عشرة ركعة، وقال: "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ"([8])([9]).
وفتح باب القضاء في النوافل فرعٌ عن مركزيتها كما هو ظاهر.
وبالنزول إلى الميدان فإنَّ فقه الرجل في هذا الباب يظهر في ثلاثة أمور:
- مدى قيامه بالثغور القائمة بحسب القدرة وواجب الوقت.
- وأخذه بما تيسر من النوافل التي يحقق بها العبودية لله والتي يستعين بها فيما يشتغل به من الثغور العامة.
- وفي قدرته على الموازنة بين الأعمال بحسب رتبها عند التزاحم والتعارض.
ومن عظم اشتغاله جدًّا فلا ينبغي أن ينحطَّ عن أمرين:
- الذكر الخاشع، وهي العبادة قليلة التكاليف عظيمة العوائد.
- صلاة ركعتين طويلتين خاشعتين، ولا ينبغي أن يخلو الأسبوع من ذلك، ومن ضاق وقته بكَّر يوم الجمعة جدًّا كأن يذهب إلى المسجد الساعة التاسعة ويطيل الصلاة.
وعلى كلٍّ فإنَّ الإنسان المشغول بحراسة ثغور الإسلام يلزمه أن يكون على بصيرةٍ في عبادة ربه، فالميزان الذي يزن به أقواله وأفعاله لا بد أن يكون شرعيًّا ليخدم الدين بموازين الدين، ولا يستثنى من ذلك كبار العلماء والمجاهدين والدعاة ومن على شاكلتهم؛ بل هؤلاء من أحوج الناس للنفس اللينة لتعظم الرحمة والخشية في قلوبهم، ويظهر حسن الخلق في تصرفاتهم وسلوكياتهم.
إنَّ كل يومٍ يمضي في حياتي أكتشف فيه مركزية النوافل في رسم حدود الشخصية المسلمة، وإني وإن عانيت التقصير في ذلك إلا أنه لا يمنعني أن أبوح بما خلصت إليه في هذا الباب.
وإذا كان الإنسان قريبًا من رمضان فلديه فرصةٌ عظيمة في الاستدراك والانطلاق؛ وذلك أنَّ النفوس تقبل على النوافل فيه بغير كبير جهدٍ أو عناء لأسباب ذكرتها في أوائل كتاب "أنيس المتعبد"، مما يسهل معه إعادة ضبط البوصلة وتثبيت بعض العادات، وأكثر الناس اليوم يعانون من قدرٍ من الغفلة والتشتت والذهول، فيأتي رمضان يرد الإنسان إلى الجادة، وما يجده من لذائذ الطاعة عبر جرعات مركزة على مدار ثلاثين يومًا ييسر له تثبيت قدمه في محراب التعبد ليبدأ العهد الطيب مع الله بعد أن طالت عن الله غيبته وطالت غربته وفقدته المحاريب وأوراد الغداة والعشي قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.
والله الموفق وهو المستعان وحده، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه: محمد بن محمد الأسطل.
تحريرًا في يوم الثلاثاء 22-8-1447 هـ الموافق 10-2-2026م.

بصيرة حول النظام السياسي في الإسلام
د.عبدالكريم بكار
الاقتتال الذي حدث بين الصحابة الكرام في زمان الخلفاء الراشدين يدل على أحد أمرين:
الأول أنهم كانوا يعلمون أن هناك نظاما سياسيا يجب تطبيقه والاحتكام إليه ولكنهم لم يفعلوا اتباعا لهوى أو شهوة وهذا بعيد جدا لأنهم أبر الأمة قلوبا وأكثر الناس فهما عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
الاحتمال الثاني أنهم لم يعثروا فيما فقهوه على نظام سياسي مبلور بالقدر الكافي وهذا أحوجهم الى الاجتهاد ومع الاجتهاد وقع الخلاف والاقتتال.
وهذا الاحتمال هو الأقوى والأرجح.
الشارع الحكيم وضع مبادئ وقيما عليا تجب مراعاتها و خدمتها في أي نظام سياسي وهي قليلة مثل الشورى والعدل والنزاهة وعدم استغلال السلطة وبذل أقصى الجهد في خدمة المصلحة العامة.
خدمة هذه المبادئ تحتاج إلى نظم عدة من أهمها النظام السياسي والنظام الإداري.
النظام هو عبارة عن شبكة من الأساليب والوسائل والإجراءات والتقنيات واللوائح التنظيمية وهذا يعني أنه مؤقت ومتطور ومتفاعل مع الواقع وهذا يعني أن الوحي لم يبلور للمسلمين نظاما للحكم لأنه لو حوّل ما شأنه التغير إلى شيء ثابت لأوقع الناس في حرج عظيم.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أعظم رجل استراتيجية في تاريخ المسلمين وقد حاول إنشاء نظام سياسي يخدم المبادئ التي أشرنا إليها وقام بأعمال عبقرية فعلا لكن ماذابقي اليوم من نظم عمر؟
نحن اليوم نتحدث عن القيم العظمي التي تمثلت في حكم عمر ولكننا نجد أنفسنا محتاجين إلى نظم أكثر تعقيدا وإحكاما وتطورا من تلك التي أرساها عمر وهذا ينطلق من سنة ربانية هي عدم اتساع مرحلة سابقة لمرحلة لاحقة.
السؤال اليوم هو هل ما يعاني منه المسلمون يكمن في عدم الالتزام بالمبادئ التي التزم بها عمر أو في عدم تطبيق الإجراءات التنظيمية التي اتبعها عمر؟
لاشك أن المشكلة في معاناة المسلمين اليوم هي في البعد عن القيم والمبادئ التي التزم بها عمر والزم بها أركان دولته
الخلاصة: المطلوب اليوم بلورة أو اقتباس نظم تحوّل المبادئ من كلام وعظي إنشائي إلى واقع يعيشه الناس ويحميه القانون ويدافع عنه المجتمع.
هذه قناعتي وقد أكون مخطئا لكنني لم أقل بحمد الله إلا ما أعتقد أنه الصواب والله الهادي إلى سواء السبيل.

السوأة الكبرى
محمد الغزالي
الطبيعة البشرية واحدة فى القارات المزدحمة بسكانها، وعلى امتداد الأمس واليوم والغد، والناس يذوقون آثار هذه الطبيعة حلوها ومرها، وقلما تختلف أحكامهم عليها، فالظلم مستقبح، والعدل مستحسن، والدناءة عيب والشرف محمدة.
ومع ذلك فإن الذين يحبون العوج ويكرهون الاستقامة كثيرون وبلغ من كثرتهم أن ذلك كاد يعد طبعا للناس، فإن طغيان الظلمة سود تاريخ العالم.
وفى ذلك يقول المتنبى:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا .. وعناهم من أمره ما عنانا
ثم يقول: كلما أنبت الزمان قناة .. ركب المرء للقناة سنانا
[ارتكاب الجرائم بين الصور الصغرى والكبرى]
والواقع أنه وجد كثيرون لا يرون حرجا من السطو على كدح العاملين واقتناصه سُحتًا، وكثيرون يرون راحتهم فى الخلاص من خصومهم، والإجهاز على حياتهم، وكثيرون يرون لذة المخالسة فى الاستيلاء على عرض حرام أولى من الارتباط به عن طريق الحلال الحلو والبارد العذب..
والغريب أن الصور الجزئية لهذه الجرائم يمكن أن تضبط وتحاسب، أما الصور الكبرى فإن الإفلات فيها بالغنائم الحرام ميسور وشائع، وقد قرأت لأحد الصحافيين هذه الكلمات: “اللصوص يسرقون ويهربون، بعضهم يدركه العقاب، والآخرون يفرون بما سرقوا ونهبوا دون أن يمسهم أذى! فالذى يسرق الرغيف يدخل السجن، والذى يسرق الفرن لا يدخل السجن! لأن سارق الرغيف لص ضعيف، أما سارق الفرن فهو لص قادر يتعاون مع عصابات قادرة، ويجد من الأموال التى سرقها ما يقدره على تدويخ العدالة، فهو يوكل أحسن المحامين عنه، وبين براعة الدفاع وعناء القضاء تذهب الحقيقة”.
وإفلات مجرمين من يد العدالة غير مستغرب، ولكن المستغرب وجود لصوص من طراز آخر، لصوص شرفاء جدا، لا يُتهمون، ولا يُقدمون للعدالة أبدا، لصوص لهم مناصب مهيبة وألقاب طنانة وكلمات نافذة..!! سرقوا شعوبهم جهرة، ونمت لهم ثروات طائلة، واحتبست الألسن فى الحلوق فما تقدر أن توجه لهم لفظا!!
والسرقات من هذا النوع تجىء عرضا، أو تجىء تابعة للاستيلاء على السلطة، والاستمكان من مقاليد الأمور، واغتصاب الحكم لشهوة عارمة شىء غير تولي الحكم باسم الله ورضا الأمة، الأول فجور والثانى تقوى.
[الأتقياء في التاريخ السياسي ندرة]
ويظهر أن الأتقياء فى التاريخ السياسى للأمم كانوا أندر من الماء فى الصحراء، وإن الذين غلبوا على مصاير الأعم كانوا قطاع طريق مهرة فى سرقة الأمجاد والكفايات، وبناء الجاه والسطوة والأبهة على أنقاض المستذلين والضائعين! وقد حكى القرآن أن واحدا من أولئك الفراعنة جادل إبراهيم فى ربه، وزعم أنه له سلطانا يضارع سلطان الله فى أرضه؛ أليس قادرا أن يعدم من يشاء ويستبقى من يشاء؟؟
كان المألوف فى سلطات هؤلاء الحكام أن يعلن أحدهم الحرب، ويسوق إلى ميدانها الألوف المؤلفة من الناس كى يحققوا له مجدا ويكتبوا بدمائهم سجل عظمته، وكان المألوف أن تجبى ثمرات الأرض لشخصه الكريم ضرائب مباشرة وغير مباشرة لتلبى أولا حاجاته وحاجات أتباعه، ثم يرمى الفتات الباقى للمصالح العامة.
وقد سبقتنا أوروبا إلى تقليم أظافر حكامها، فقتلت بعضهم فى ثورات حانقة، ووضعت دساتير دقيقة لضبط مسالك الباقين، حتى صار الحكم هناك خدمة عامة يختار لها الأكفأ، ويراقب من خلال أجهزة يقظة، ويُطرد ولا كرامة إن بدا منه ما يريب.
أما الشرق الإسلامى فإن الفساد السياسي بقى فى أغلب ربوعه حتى القرن الرابع عشر للهجرة، إنه متأخر بضعة قرون فى طريق التقدم العالمى، ولا يزال اكتساب الحكم فيه سهلا، ولا يزال الحكم وتملق الحاكمين أخصر طريق للمال والجاه، وما يثير الدهشة هو الفرق الكبير بين تعاليم الإسلام وأحوال المسلمين.
[المشتغلون بالعلوم الدينية والسوأة الكبرى]
وما يثير الدهشة أكثر وأكثر هو موقف المشتغلين بالعلوم الدينية وفقه الشريعة.. كأن هؤلاء كونوا بطريقة خاصة ليكونوا حواشى للحاكمين! لقد فزعت وأنا أرى كبيرا منهم يصفق بيديه ـ مثل صبى طائش ـ تكريما أو إرضاء لأحد الحكام! إننى أعلم أنه من أجل ذلك اختير! لكن الهبوط ما ينبغى أن يبلغ هذا الدرك ولو لحماية المظاهر. والسقوط الخلقى آفة بعض رجال الدين، ولكنى أظن ذلك سببا ثانيا لفساد الحكم فى العالم الإسلامى. إن السبب الأول هو خلل التفكير الفقهى عند الجم الغفير من المتكلمين فى الفقه!
سمعت جدالا بين أناس يتحدثون عن حكم لمس المرأة ولمس إحدى السوأتين، والأقوال المتضاربة في هذه القضية!
فقلت لهم: هذه أحكام تُقرّر في خفوت، ويُذكر الخلاف فيها بكثير من التجاوز، وأمرها لا يستحق هذا الحماس ولا ذلك العناد!
فنظروا إلىّ مستنكرين! فقلت لكبيرهم: أتعرف شيئا عن السوءة الكبرى في الإسلام؟ وجاء الرد بسرعة، أي سوءة؟
قلت: ضياع الإسلام فى الأندلس وذهاب ريحه وانتهاء دولته ومحو حضارته!
هل درستم أسباب ذلك، وأخذتم الحيطة حتى لا تتكرر المأساة؟
إننى أدهش عندما يجيئنى متقعر يسألنى: هل يقضى المأموم الركعة إذا لم يقرأ الفاتحة ولكنه أدرك الإمام راكعا؟
لقد قلت لهذا السائل: الجمهور على أنه لا يقضي!
فقال بسماجة: لا، يجب أن يقضي والسنة الصحيحة توجب ذلك! قلت له: ما دام يؤثر الرأي الآخر فليقض الركعة!
فأراد أن ينشئ معركة علمية في هذه القضية.
فقلت له بصبر نافد: إن تعلقكم بهذه الخلافات لا مساغ له! أريد أن أسألك: التناصر بين المسلمين واجب، فكيف ينصر المسلم فى إفريقية أخاه في آسيا، هل فكرتم في ذلك، واكتشفتم وسيلة مادية أو أدبية؟
إن الحكومات تعالج شئونا عادية وعبادية خطيرة، فهل فكرتم فى طريقة لنصحها، وعرض وجوه الرأي عليها، وإلزامها بالحق إن هي رفضته،
وتأمين معارضيها إذا فكر مستبد فى إيذائهم.
إن تخلف المسلمين شائن في دنيا الناس فهل فكرتم في أسلوب يكشف عنهم هذا العار؟
حتى إذا تقدموا صناعيا وحضاريا أمكنهم أن يدفعوا عن عقائدهم، ويحموا مساجدهم من نظم تريد إغلاقها، ومنع اسم الله أن يذكر فيها؟
فقال لى المتفقه المغفل: هذه سياسة وأنا أكلمك في الفقه!.
قلت: أنا أكلمك في الفقه، وأنت وأمثالك صرعى سياسات محقورة شغلت الجماهير بالخلافات الصغيرة حتى يمضى الفجار في طريقهم دون عقبات..
إن الاستبداد السياسى استطاع على تراخى الأيام أن يحذف أبوابا مهمة من قسم “المعاملات” في فقهنا الضخم! أو أن يجعل حقائقها ضامرة مهزولة لأن الكلام فيها مرهوب النتائج.
ومن ثم طال الحديث في أمور هينة وكثرت فيها التفريعات والأخيلة البعيدة، على حين صمت الفقه في الأمور الجلل.
وتم البت في قضايا المسلمين العظمى بين جماعات من الفُتاك يذكرون أنفسهم وأتباعهم كثيرا ولا يذكرون الله إلا قليلا..
وقد وقعت فواجع في بيئات الحكم يندى لها الجبين، وأهيل عليها التراب دون تعليق، ففى اليمن قتل أمير ـ أو تآمر على قتل ـ تسعة من إخوته حتى تخلص إمامة المسلمين للأخ القاتل وحده!!
ومطلوب من الفقه الإسلامى أن يشغل بمكان وضع اليدين فى الصلاة! أو برفعهما قبل الركوع! وهي أحكام تتساوى فيها وجهات النظر، ولا يأثم مسلم يجنح فيها إلى السلب أو الإيجاب..
نعم مطلوب منه إفاضة الكلام فى هذه القضايا وتكوين عصابات من الرعاع تشغل المصلين بهذه الأحكام، وتثير بينهم الفتن!! أما سياسة الحكم والمال فعلاقة الفقه بها مقطوعة، وحسب نفر من العلماء المعاصرين أن يرددوا فيها أقوالا سقيمة، قررها الجبناء الهاربون أو المفكرون القاصرون..
كانت النتيجة المريرة أن حكَم المسلمين رجالٌ لا يؤمَنون على شيء، ولا تحركهم إلا غرائز طفولية من جنون العظمة والاستئثار بالسلطة..
ولم تكن القوة المعادية للإسلام غافلة! ومتى غفلت؟ إنها بين الحين والحين تنفذ من هذه الثغرة في مجتمعنا لتهلك الحرث والنسل، وهي تفعل ذلك بأيدينا نحن لا بيد زيد أو عمرو!
ومن أعصار طويلة وهذه الفوضى الفكرية تسود العالم الإسلامى وتعوج بخطاه عن بر هدف شريف فإذا قضايا كبيرة تموت مكانها لا يكترث بها أحد،
وإذا أمور توافه يهيج لها الخاصة والعامة!
[سنة الله تمضي]
ومضت سنة الله فى أمتنا كما مضت في كل مجتمع مختل، فتدحرجنا من مكان الصدارة إلى ذنب القافلة الإنسانية، وأسأنا إلى ديننا بقدر ما أسأنا إلى أنفسنا..
وجاءت ساعات الصحو والمحاسبة وتأنيب الضمير! وبدأنا نغضب لما أصابنا ونأسف لما ضاع منا، فكيف العمل؟
البعض يريد السير في ذات الطريق الذى انتهى به إلى الذل..
البعض يرفض بكبر غريب أن يعرف لماذا تقدم غيرنا..
البعض يعجز عن فهم الفطرة الإنسانية ويظن الدين حربا عليها!
(*) من كتاب كتاب الفساد السياسي.
