مدونة الموقع

دقائق الليل الغالية
د. محمد أحمد الراشد
سجود المحراب ، واستغفار الأسحار ، ودموع المناجاة, وقيام دقائق الليل الغالية : سيماء يحتكرها المؤمنون .
ولئن توهم الدنيوي جناته في الدينار ، والنساء ، والقصر المنيف ، فإن :
جنة المؤمن في محرابه (1)
ولقد منَّ الله على الناس بكثير من المباح الحلال يفند الرهبانية ، ولكن المؤمن له لذة كلما توجه إلى ربه بصفاء روح ، تتضاءل بجانبها لذة المباح ، فيهجر الكثير منه حذراً من كدر يعكر الصفاء الذي هو فيه .
جرب ذلك المؤمنون قديماً ، زمن العيش البسيط ، وجربه المؤمنون اليوم ، زمن المدنية المعقدة .
بل إن الصلاة في يوم هذه المدينة لأظهر في إضفائها السرور ، فبينما يطيل التعقيد على الإنسان حياته الحاضرة ، فيسأم ، ويمل ، و يضجر ، تختصرها الصلاة إلى بضع ساعات فحسب ، فيعيش في اطمئنان ، وراحة بال ، ولئن كان لنظرية آينشتاين في نسبية الوقت نصيب من الصحة ، فإن في الصلاة هذا النصيب ، كما يشرحه مصطفى صادق الرفاعي و يقول :
” يا لها حكمة أن فرض الله علينا هذه الصلوات بين ساعات وساعات ، لتبقى الروح أبداً إما متصلة أو مهيأة لتتصل ، ولن يعجز أضعف الناس مع روح الدين أن يملك نفسه أنه متوجه بعدها إلى ربه ، فخاف أن يقف بين يديه مخطئاً أو آثماً ، ثم هو إذا ملك نفسه إلى هذه الفريضة ذكر أن بعدها الفريضة الأخرى ، وأنها بضع ساعات كذلك، فلا يزال من عزيمة النفس و طهارتها في عمر على صيغة واحدة لا يتبدل ولا يتغير ، كأنه بجملته – مهما طال – عمل بضع ساعات “(2)
فطول الحياة نسبي.
هو طويل جداّ ، مخيف مظلم للجاهلي.
وهو قصير ، هين منير للمصلي.
وحياة الجاهلي ركود مستمر.
وحياة المصلي حركة ، تزيد صواباً ، أو تستدرك اعوجاجاً .
وإنها ( الله أكبر ) تنهي هذا الركود ، وتؤسس الحركة ( الله أكبر ) .
بين ساعات وساعات من اليوم ترسل الحياة في هذه الكلمة نداءها تهتف :
” أيها المؤمن : إن كنت أصبت في الساعات التي مضت ، فاجتهد للساعات التي تتلو . وإن كنت أخطأت فكفّر ، وامح ساعة بساعة “(3)
وأظهر حركة يولدها التكبير : حركة التمييز والفرقان ، بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان .
فإنك إن قلت : { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين }.
استشعرت في كل ركعة طائفة من هذه الأصناف الثلاثة ، وتخصص كل ركعة لمن ظهر منهم في زمن واحد ، أو بلد واحد ، فتجول في ركعات يومك بلاد الإسلام أجمع، وتستعرض تاريخ الإسلام أجمع .
ففي ركعة تذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الأطهار رضي الله عنهم مثلاً لمن أنعم الله عليهم ، وتذكر أبا جهل ومسيلمة مثلاً للمغضوب عليهم والضالين .
وفي ركعة أخرى تذكر هوداً وصالحاً – عليهم السلام – مثلاً ممن أنعم الله عليهم ، وعاداً وثمود من الهالكين .
وفي ركعة أخرى تذكر الحسن البصري وابن سيرين و ابن المسيب ممن أنعم الله عليهم ، وأهل الردة ، والجهم بن صفوان ، والجعد بن درهم من المتخبطين .
وفي أخرى تذكر ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي من المصلحين ، وأصحاب وحدة الوجود والفناء الموهوم و الشطح والابتداع من المدلسين .
وفي أخرى تذكر الإمام البنا وعودة وسيد ، وثباتهم أمام الطغاة المتجبرين .
وبذلك تعقل صلاتك ، والمرء ليس له من صلاته إلا ما عقل منها ، و تجدد عهدك مع أجيال المؤمنين ، وتنبذ المفسدين ، وتلك هي حركة الإيمان ، فإن الإيمان الحق ما أخذ منك الولاء ، وتركك على المفاصلة .
رجال مدرسة الليل
ولكن تمام التذكر يكون مع الهدوء والسكون .
فمن ثم كانت مدرسة الليل .
وكان ترغيب الله للمؤمنين أن يجددوا سمت الذين {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون}
وإذا انتصف الليل ، في القرون الأولى ، كانت أصوات المؤذنين ترتفع تنادي :
يارجال الليل جدوا
رب صوت لا يرد
ما يقوم الليل إلا
من له عزم وجِدُّ
وإنها حقاً لمدرسة ، فيها وحدها يستطيع رجالها أن يذكوا شعلة حماستهم ، وينشروا النور في الأرجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية .
وإنها تجربة إقبال يوجزها فيقول :
نائح والليل ساج سادل
يهجع الناس ودمعي هاطل
تصطلي روحي بحزن وألم
ورد ( يا قوم ) أنسي في الظلم
أنا كالشمع دموعي غسلي
في ظلام الليل أذكي شعلي
محفل الناس بنوري يشرق
أنشر النور ونفسي أحرق (4)
وإن دعوة الإسلام اليوم لا تعتلي حتى يذكي دعاتها شعلهم بليل ، ولا تشرق أنوارها فتبدد ظلمات جاهلية القرن العشرين مالم تلهج بـ( يا قيوم ) .
ما نقول هذا أول مرة ، وإنما هي وصية الإمام البنا حين خاطب الدعاة فقال:
” دقائق الليل غالية ، فلا ترخصوها بالغفلة “ (5)
أفعيينا أن نعيد السمت الأول ، أم غرنا اجتهاد في التساهل و التسيب و الكسل جديد ؟
إن القول لدى الله لا يبدل ، ولكنا أرخصنا الدقائق الغالية بالغفلة ، فثقل المغرم ولم يجعل الله لنا من أمرنا يسراً .
إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور ، بل برجعة نصوح إلى العرف الأول ، ومتى ما صفت القلوب بتوبة ، و وعت هذا الكلام أذن واعية : كانت تحلة الورطة الحاضرة التي سببتها الغفلة المتواصلة .
ذلك شرط لا بد منه .
وكأن النصر حجب عنا لأننا نادينا من وراء الحجرات ، وجهرنا رافعين أصواتنا نوجب على الله لنا هذا النصر بادلال ، نبيعه و نثبت لنا حقاً عاجلاً في الثمن من دون أن نقدم بين يدي بيعنا همساً في الأسحار ، ولا الدمع المدرار ، وإنما النصر هبة محضة ، يقر الله بها عين من يشاء من رجال مدرسة الليل في الحياة الدنيا ، ولا يلت الآخرين المحصرين من ثمنهم في الآخرة شيئاً ، ويوقع أجرهم عليه .
إن تعلم الإخلاص ، وفضح الأمل الكاذب الدنيوي أجلى أعطيات مدرسة الليل ، كما يقول وليد ، وذلك ما توجب تربيتنا تركيزه وتعميقه في النفوس .قال ، والحق ما قال :
ياليل قيامك مدرسة
فيها القرآن يدرسني
معنى الإخلاص فألزمه
نهجاً بالجنة يجلسني
ويبصرني كيف الدنيا
بالأمل الكاذب تغمسني
مثل الحرباء تلونها
بالإثم تحاول تطمسنى
فأباعدها و أعاندها
وأراقبها تتهجسني
فأشد القلب بخالقه
والذكر الدائم يحرسني (6)
وأكثر من هذا فإن من يتخرج في مدرسة الليل يؤثر في الأجيال التي بعده إلى ما شاء الله ، والمتخلف عنها يابس قاس تقسو قلوب الناظرين إليه، والدليل عند بشر بن الحارث الحافي منذ القديم ، شاهده وأرشدك إليه, فقال :
” بحسبك أن قوماً موتى تحيا القلوب بذكرهم ، وأن قوماً أحياء تقسو القلوب برؤيتهم ” .
فلم كان ذلك أن لم يكن ليل الأولين يقظة ، وليل غيرهم نوماً ؟ ونهار الأولين جداً ، ونهار الآخرين شهوة
أتسبقك الحمامة ؟
وإنه لقلب رقيق قلب الفقيه الزاهد أبي سهل الصعلوكي ، يظهره تأنيبه لنفسه في قوله :
أنام على سهو و تبكي الحمائم
وليس لها جرم ومني الجرائم
كذبت لعمرو الله لو كنت عاقلاً
لما سبقتني بالبكاء الحمائم (7)
فإن الذنب لا يغسل إلا بدمع ، والشجاعة تسقى بدموع الليل ، وما عرف تاريخ الإسلام رجاله إلا كذلك ، ولم يقل ابن القيم باطلاً في وصفه لهم بأنهم :
يحيون ليلهم بطاعة ربهم
بتلاوة ، وتضرع و سؤال
وعيونهم تجري بفيض دموعهم
مثل انهمال الوابل الهطال
في الليل رهبان ، وعند جهادهم
لعدوهم من أشجع الأبطال
بوجوههم أثر السجود لربهم
وبها أشعة نوره المتلالي (8)
وسَأَلَ عبد الوهاب عزام الليلَ عن أروع أسراره ، فأبان جوابه عن إصابة المؤمنين والمذنبين في تحريهم إياه واستمع لتحاورهما:
قلت لليل: كم بصدرك سر
أنبئني ما أروع الأسرار ؟
قال: ما ضاء في ظلامي سر
كدموع المنيب في الأسحار(9)
أفترى المؤمنين إلا مصدق بجواب الليل ، فهو مسارع مستبق ؟
أم ترى أهل البلاغة إلا في إذاعة لما قال ؟ يستملون الناس :
فاز من سبح والناس هجوع
يدفن الرغبة ما بين الضلوع
ويغشيه سكون وخشوع
ذاكراً لله والدمع هموع
سوف يغدو ذلك الدمع شموع
لتضيء الدرب يوم المحشر
سجدة لله عند السَحَر(10)
ويلقنون المذنبين المخطئين طريق الجنة ، فيستملون المسرف في أخرى أن :
عد إلى الله بقلب خاشع
وادعه ليلاً بطرف دامع
يتولاك بعفو واسع
ويبدل كل تلك السيئات
حسنات أجرها لن ينفدا
كل هذا العفو للعبد المنيب
سابغا من خالق الكون الرحيب
للذي تاب إليه من قريب (11)

{ یُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَیُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِینَۚ وَیَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا یَشَاۤءُ }
[سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ: ٢٧]
تهب الرياح العاتية فتقتلع وتحطم من ليس له جذور راسخة؛
لنستطلع مشاهد مما يفعله إعصار متوسط القوة بمدينة عامرة بالمباني والسكان:
يا له من ركام تختلط فيه السيارات بالمباني والأشخاص وكل ما حملت السيول،
كل ما نراه في ذلك الركام كان ثابتا في مكانه قبل الإعصار أو هكذا كان يظن، فجاء الإعصار فأظهر الحقيقة،
حمل السيل ما خف وما ثقل فلم ينج سوى ما ثبتت جذوره وصح بناؤه،
وكذلك تختبر المبادئ حين تعصف بنا الأحداث ويجتاح الطوفان.
في الرواية أن سدا عظيما بقي متماسكا وثبت في مكانه أزمانا ولكن الملل أصاب حجرا واحدا من أحجاره فقرر مغادرة مكانه فكان سيل العرم،
إن بقاء البناء لا يستوجب ثباتا فرديا فقط بل هو نسيج المجموع كما علمنا قائدنا ونبينا عليه الصلاة والسلام: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا،
فليس من الحكمة أن نتصدى للعاصفة وقوفا حاسرين بل يحسن فيها الكمون والحذر والشد على يد إخوانك،
إن كان ابتلاء أهل فلسطين في أنفسهم عظيما فابتلاؤنا أيضا في ديننا عظيم والله ناظر ما نفعل.
في هذا الطوفان يتوجب علينا أن نتمسك جيدا بالمبادئ ونستحضر كل أسباب الوحدة ونبذ الفرقة والتنبه لمكائد العدو وليس أقلها الضخ الإعلامي والاختراق الأمني، انظر ما تقول وما تفعل هل يرضي الله ويأتي بعونه أم غير ذلك، إن التنازع فشل وحظ النفوس فشل ووحدة الصف والهدف طريق النجاة ووصفة النجاح،
إن الثبات يحتاج الى صلة متينه بالله على نهج نبيه، وتعهد وتدبر للقرآن، والتكاتف والتآزر والتماسك الأخوي حيث ينصر بعضنا بعضا وينصح بعضنا بعضا.
لنقف مليا مع قصة طالوت وما فيها من دروس وعبر عديدة؛ بدأت بالتشكيك في اختيار النبي لطالوت ثم تخاذل وعصيان متكرر وتصفية أفضت إلى فئة صابرة ثابتة واثقة بربها ومنهجها:
{ وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَاۤ أَفۡرِغۡ عَلَیۡنَا صَبۡرࣰا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَـٰفِرِینَ }
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٢٥٠]
وفي جوهر القصة بيان لمنهج طالوت في صنع تلك الفئة أن: اترك ما تشتهي واصبر على ما تكره، وبذلك يعظم في القلوب أمر الله وتهون الصعاب.
احفظ قلبك واحفظ لسانك واحفظ فكرك، فالطوفان انطلق وأمواجه كالجبال ولن يتوقف بأمانينا بل نصلح سفننا ونشد اشرعتنا حتى يأذن الله بالنصر والفتح.

قال علي كرم الله وجهه لكميل بن زياد: يا كميل، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق. وقد شرح ابن القيم هذه الكلمات ـ المقتبسة من مشكاة النبوة ـ شرحا مستفيضا في "مفتاح دار السعادة".
وقال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك! وهذا ما عبر عنه الشاعر فقال:
إن الأكابر يحكمون على الورى وعلى الأكابر يحكم العلماء!
وسئل ابن المبارك: من الناس؟ فقال: العلماء، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قيل: فمن السفلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين! وإنما لم يجعل غير العالم من الناس، لأن الخاصية التي يتميز بها الإنسان عن البهيمة هي العقل، وهو إنما يظهر بالعلم.
وقال ابن عباس: تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها!
وقال الحسن: يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء.
وقال في تفسير قوله تعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) إن الحسنة في الدنيا هي العلم والعبادة، وفي الآخرة هي الجنة.
وقيل لحكيم: أي الأشياء تقتني؟ قال: الأشياء التي إذا غرقت سفينتك سبحت معك! يعني: العلم.
وقال الإمام أحمد: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب، لأن المرء يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد الأنفاس.
وقال بعض السلف: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم.
.....
- المصدر: "الحياة الربانية والعلم" لسماحة الشيخ.

أسّس القرآن لمبدأ حضاري عظيم هو أنه لاينبغي أن يكون في المجتمع الإسلامي أي شخص فوق المساءلة حتى لايتحول إلى مصدر لحماية الفاسدين والمقصرين وهذا واضح من خلال عتاب القرآن الكريم للنبي صلى الله عليه وسلم على بعض اجتهاداته على ماهو مشهور في العديد من الآيات القرآنية.
إن النقد الذاتي يشكل مرتكزاً من أهم مرتكزات أي نهضة لأي أمة وهو
يشكل حجر الزاوية في الحضارة الغربية.
لدينا أسئلة محرجة تجعلنا نحدّق في المرآة لنرى أنفسنا وسلوكياتنا على ما هي عليه.
إثارة الأسئلة الصعبة جارحة والإجابة عنها أيضاً جارحة لكن آلامها تظل أخف من آلام استمرار مآسي الإهانة والظلم والاستبداد والعوز التي يعاني منها مئات الملايين من المسلمين في أنحاء المعمورة.
1- كيف استطاع مهاجرون مختلفو الثقافات والأديان وبعضهم أشبه بحثالات من تشييد دولة قوية جدا وجذابة للعيش لكل أبناء أمم الأرض كما هو الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية ؟
وكيف استطاع الصهاينة إقامة دولة في فلسطين من خلال استقدام ملايين اليهود من 126 دولة.
دولة مزدهرة ومستقرة ومحتلة لأراضي دول كبيرة حولها.
دولة لم تشهد عبر أكثر من 60 سنة سوى اغتيال سياسي واحد!
الهند ذات الملل والنحل واللغات وأكثر من ألف مليون من بني آدم دولة مستقرة ومزدهرة أكثر بكثير من جيرانها المسلمين الذين تعصف بهم الحروب والتصفيات الكيدية ويلفها الفساد من الرأس إلى أخمص القدم!
لماذا صارت الفرقة والتشتت والتخوين والاقتتال الداخلي والنزاع حول صغائر الأمور من اختصاص العرب والمسلمين مع أننا نفخر باسم أهل السنة والجماعة ؟!
2- لماذا معظم المسلمين اليوم فقراء ومحتاجون ومستهلكون لما ينتجه غيرهم مما يجعلهم يعيشون على هامش العالم في كل مجال من مجالات الحياة ؟!
3- لماذا نحن خلف الأمم في معظم مؤشرات التحضر : التعليم والبحث العلمي والصحة والصناعة والتقنية والخدمات والضمان الاجتماعي ؟!
4- لماذا ينتشر بيننا الكذب والفساد المالي والإداري والرشوة وأكل حقوق العمال والمستضعفين إلى جانب المجاملة والمداهنة على حساب العقيدة والمبدأ؟!
5- لماذا نحن مشدودون إلى الماضي ونقيم المعارك الحامية حول تفسير أحداثه والدفاع عن تصرفات رجالاته مع أن الله تعبدنا بالمنهج الرباني الواضح والشامل وليس بالسوابق التاريخية ؟!
سأكتفي بهذه التساؤلات لأقول في الجواب عن كل هذا : إن هناك من سيقول فورا : السبب هو عدم التزامنا بديننا ومكائد الأعداء لنا.
هذا ولا شك صحيح ولكن لماذا لم نلتزم بأمور ديننا رغم مر الشكوى من الجميع و السؤال الآخر هو :ما الشيء الذي التزم به الهنود واليهود والأمريكان حتى لايتقاتلوا ويبدعوا ويهيمنوا. ..؟
إن مكائد الأعداء لنا ليست سببا في تخلفنا ولكن ضعفنا وتفرقنا هو الذي يعبّد الطريق لسيطرة الأعداء علينا .
يوم سقوط الدولة العباسية مثلا لم يكن هناك شرق ولا غرب كنا نحن الشرق والغرب!
لنا مصلحة كبرى في التوقف عن البحث عن مشجب نعلق عليه خطايانا وأخطاءنا.
6- لدينا خاتمة الرسالات التي منحتنا الرؤية والمنهج وهدتنا إلى سبيل النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة ولكن علينا الإبداع في إيجاد النظم والآليات والوسائل التي تخدم المبادئ وتحولها من عقائد وشعارات إلى أشياء حاضرة ومؤثرة في حياتنا وعلاقاتنا.
قبل هذا علينا أن نكف عن تحويل الوسائل التي أبدعها أسلافنا إلى مقاصد نجمد عليها ونحار في تحقيقها كما حصل في تعاملنا مع مسألة الحكم وإدارة الشأن العام في معظم التفاصيل.
أنا واثق من عظمة هذه الأمة ومن قدرتها على الذهاب إلى الريادة الحضارية لكن هذا يتطلب مناهضة متواصلة لثلاثة أعداء عتاة : الجهل والفقر والاستبداد.
والله المعين والهادي إلى سبيل الرشاد.

أبعاد التغيير الإنسانى قبل كلمة الله الحاسمة
محمد الغزالي
لا تنجح رسالة أو تزدهر حضارة أو تسبق أمة إلا إذا وقع تغيير جذرى فى كيان هذه الأمة السابقة المتفوقة، أو تلاقت خصائص مادية وأدبية فى مقومات تلك الرسالة الناجحة والحضارة المزدهرة. نعم، فصعود الجماعات أو هبوطها لا يتم وفق حظوظ عمياء أو مصادفات طارئة! بل للمد والجزر علل كامنة إن غابت عن العين المجردة فلن تغيب عن البصائر الحادة والعقول الثاقبة.
[سنن الله تعمل عملها]
وقد تتبعت أسباب التحليق والإسفاف عند من يحلقون ومن يسفون فوجدت سنن الله الكونية تعمل عملها كأنها خصائص المادة وقوانينها الثابتة، ولا تنخرم ولا تتخلف. ويسرنى أن أقدم نموذجا لاطراد هذه الحقيقة من سورة (الأنفال) وهى تخص أسباب النصر لقوم والهزيمة لآخرين. ولكن ـ قبل هذا التقديم ـ أثبت كلمة قالها سائح مسلم فى ديار الأندلس قال: إن الدليل الذى قادنى بين آثار الحمراء، تناول المسلمين بالكلمة الحاسمة، لقد قامت لهم دولة هنا لما كانوا لله خلائف، ثم طردوا من هذه الديار لما أصبحوا على ثراها طوائف. العبارة لاذعة بيد أنها تصور الحق المجرد، يوم قادهم الإيمان قامت لهم دولة ترعى الخير والشرف، وتصدر للآخرين العقائد والقيم، فلما أسلموا زمامهم للشهوات، ومزق وحدتهم الترف وحب الدنيا، لم يبق لوجودهم معنى، فعادوا من حيث جاءوا. ترى هل وعوا ذلك الدرس الفاجع؟ لا أدرى! ولكنى وأنا أتدبر القرآن الكريم وجدت صورة لأبعاد التغير الذى يسبق كلمات الله الحاسمة فى الإعزاز والإذلال، وجدتها وأنا أتلو سورة الأنفال، فأحببت أن أصورها فى هذه العجالة. وفى وسط السورة تلمح قادة الوثنية الجاهلية وهم يودعون الحياة شر وداع، تتناولهم ملائكة الموت باللطمات والصفعات وهم يواجهون جزاءهم: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق * ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد).
[أسباب التغيير للأسوأ وللأحسن]
ماذا فعلوا؟ ظلوا أمدا طويلا يكرهون الحق ويؤثرون العناد، ويحيون لأنفسهم فما يرجون لله وقارا، ولا يتخذون عنده مآبا. كانوا فى رخاء لا تشوبه أزمة، وفى أمان لا يعكره قلق، فما شكروا من هذه النعماء قليلا ولا كثيرا، وجاءهم رجل منهم لا ترقى إلى سيرته تهمة فطاردوه فى صلف غريب. والإنسان العادى إذا اشتبهت عليه الأمور طلب من الله أن يهديه إلى الصواب، أما هؤلاء فقد أبغضوا الحق، وأبغضوا النزول على حكمه، وقالوا مكابرين رب الكون: (إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم). ولقى دعاؤهم الأخير بعض الإجابة، فلما التقوا بالمسلمين فى (بدر) حل بهم خزى رهيب، وتبخر السراب الذى كانوا يعيشون فى خداعه فسقطوا بين قتيل وأسير. إنهم ليسوا وحدهم الذين يفسدون فيعاقبون، كان الفراعنة على هذا الغرار، فغشيهم من اليم ما غشيهم: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب * ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وعند الجملة الأخيرة نقف طويلا لنتساءل: ما أبعاد هذا التغيير وما مداه؟ إن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا ويؤكد بعضه بعضا! فى سورة أخرى يقول جل شأنه: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). ويقول بعدما أودى بنعيم (سبأ) وخرب جنانها: (وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور).
ويقول فى أهل مكة لما حاربوا الرسالة الخاتمة، وقاوموا إمام الأنبياء، ورفضوا إجالة النظر فيما عرض من آيات بينات.. يقول: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون). وما يجب إبرازه هو طول المدة التى يستغرقها الاختيار الإلهى، فإن الأقدار طويلة الأنفاس، والصراع بين الحق والباطل لا تكتشف عقباه فى سنة أو سنتين، ولا فى جولة أو جولتين. إنه قد يستوعب السنين والقرون: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير). ولما كان عمر الأفراد محدودا، فقد اقتضت حكمة الله أن يهيئ لكل إنسان فرصة كافية يتمكن فيها من معرفة الحق، ويقدر فيها على اعتناقه، وذلك من تمام العدل الإلهى.
إن الناس تحكمهم تقاليد شديدة، ويتوارثون أفكارا يحتاج نقدها ووزنها إلى زمان غير قصير.. بل إن الأهواء التى تصرف البشر لها سلطان محيط، والخلاص منها لا يتم بين عشية وضحاها. وقد تأملت فى ماضى خالد بن الوليد عبقرى الحروب الملهم، وماضى عمرو بن العاص السياسى الداهية، فوجدت كلا الرجلين لم ينشرح صدره للإسلام إلا بعد ما يقرب العشرين سنة. ومن رحمة الله وحكمته أن منحهما هذه الفرصة، وهما مثل لغيرهما من سائر الخلق. وفى سورة الأنفال رأينا المعركة التى قصمت ظهر الوثنية، وقعت بعد خمس عشرة سنة من بدء الرسالة كانت هذه الفترة هى المدة التى حددها القدر الأعلى ليكتشف مصير فريقين من الناس. أولهما: المؤمنون الذين تحملوا العنت وصابروا الليالى الكوالح وهم يساندون الحق ويأملون فى الغد القريب أو فى الدار الآخرة إن فاتهم النصر فى هذه الدنيا. والفريق الثانى: الكفار الذين قاوموا الشعاع المقبل بكل ما لديهم من جبروت، واستماتوا كيما يبقى ليل الوثنية مخيما على جزيرة العرب وكيما تبقى الخرافات تسرح فى المشارق والمغارب.
ويخيل إلى أنه إلى آخر ليلة باتها المشركون قريبا من بدر كانت الفرصة باقية أمامهم ليسلموا ويسلموا.. ولكن المرء عندما يمضى على سيرته، أو عندما يتحرك وفق طبيعته يرتكب الغلطة التى تبت فى عاقبته كلها، أى يفعل ما يسمى بالقشة التى قصمت ظهر البعير، أو القطرة التى فاض بها الإناء. وذلك ما فعله أبو جهل، كان الرجل يستطيع أن يعود بقومه ما دامت القافلة التى خرجوا لإنقاذها قد نجت، بيد أن مشاعر الكبرياء والغرور هاجت فى دمه فقال : لا نعود حتى ننحر الجزور، ونشرب الخمور، وتغنى لنا القيان، ويسمع بنا العرب فلا يزالون يهابونا أبدا.. أى أنه كان حريصا على إذلال الإسلام وأهله فى مهجرهم الجديد. إن هذا القصد النزق هو الذى ذبحه، وقاد قومه معه إلى المأساة! وهذا ما تفسره الآيات من سورة الأنفال التى نزلت لتشرح العدل الإلهى فى مصاب المهزومين: (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم). وفى أول السورة يزداد الأمر وضوحا، إن القدر الأعلى تدخل على غير ما يود المؤمنون! إنهم كانوا يودون الأوبة إلى المدينة بغنيمة باردة يدعدعون بها حياتهم المرهقة! ولكن الله ـ بعدما أنهى المشركون الفرصة الممنوحة لهم كى يعقلوا ـ قرر إنزال ضربة مهينة بهم: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون). إن الأمم تضيع بعدما تبدد آخر فرصة للنجاة، والأقدار التى تنزل بصعود هذا، أو هبوط ذاك ليست حركات عابثة، إنها أقدار تزن بدقة هائلة مسالك الأفراد والجماعات.
وتتجدد فرصة النجاة، أو إمكانات التوبة مرة أخرى أمام الصناديد الذين وقعوا أسرى! لطالما ضيقوا الخناق على الآخرين وحرموهم الكلمة وحرية المعتقد، وهاهم أولاء أصبحوا فى قيود الهوان والمسكنة لقد قيل لهم: إنكم وحدكم الذين تصنعون مستقبلكم، إن انتويتم خيرا للناس انفتحت أمامكم مجالات رحبة للحركة والعطاء، وإلا فلكم الويل: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم * وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم).
[دور التدخل الرباني]
إن الخونة قد يستطيعون الإساءة إلى غيرهم ردحا من الزمان، وقد يتطاولون فى المجتمعات ويحسبون أن الجو قد خلا لهم.. غير أن القضاء الحكيم يتربص بهم إلى حين، ثم يستمكن الوثاق من أعناقهم. وندع المجتمع الكفور يلقى مصيره كما صورته سورة الأنفال، ونلقى نظرة أخرى على المجتمع المؤمن! لقد عاش قبل الهجرة وبعدما يحترم دينه، ويقدم مطالبه على رغائبه، ويحمل فى الحياة شارته ويرفع رايته! وكان خصومه يستكثرون عليه حق الحياة كما يريد، بل كانوا يروعونه فى الحرم الآمن، ويرغمونه على النزوح هنا وهناك.. لقد أنالته الأقدار مكافأة سخية لم تخطر له ببال، فضلا عن أن يرسم لها خطة ويشرف على التنفيذ. أجل، لقد أنالته الأقدار النصر والتمكين والسيادة، وإلى ذلك أشارت الآية الكريمة: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون). وهنا نلقى نظرة أشمل على السورة كلها، لنرى أنها فى صدرها رسمت صورة المجتمع المؤمن حقا ثم بثت خلال القصص الواعى وعبره البالغة نداءات شتى للمؤمنين تحدوهم إلى الكمال وكأنها تقول لهم: إن البقاء فى القمة يحتاج إلى مثل الجهد الذى بذر فى بلوغها! فلا قعود ولا ترف. ومن أجل ذلك تضمنت السورة ستة نداءات لا يستغنى عنها سلف ولا خلف، بل لعلنا أحوج الناس إلى فقهها.. أول هذه النداءات وآخرها يقومان على معنى واحد، هما قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار). وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون).
وثم أربعة نداءات أخرى تتضافر على صون الأمة، واستدامة صلاحيتها للرسالة التى تحملها، هى قوله:
(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون).
وقوله: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم).
وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون).
وأخيرا قوله: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا).
ذلكم هو الأساس للتغير الشامل الذى يجىء بعده حكم القدر بيننا وبين أعداء الله، وهو أساس لا يختلف مع اختلاف الليل والنهار.
(*) من كتاب علل وأدوية، والعناوين التي بين معقوفتين من عمل المحرر.

مسؤولية التعلم ولو في غياب “شخص” معلم
بصائر
ربما من أوائل ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن العلاقة بين المعلم والمتعلم، قصيدة شوقي: "قم للمعلم وفّه التبجيلا"، ومعارضة إبراهيم طوقان لها في قصيدته "الشاعر المعلم"
على صراحة الثانية واقعيًا وصدق الأولى في المبدأ؛ فالعلاقة التي تربط المتعلم بالمعلم في عصرنا اليوم لم يعد محورها المعلم كما كان وقتها.
عصر اليوم هو عصر الصناعات: صناعة الذات وصناعة العلم وصناعة المعلم، ومن لا يصنع بيديه يهدر نفسه بيديه!
فقد كان العلم مُلْكًا لمن يُغالي الثمن وهو اليوم لؤلؤ مَكنون لمن يُحسِن التنقيب عنه.
اليوم أمامك كل هذه الامتيازات، من الإنترنت، إلى الوسائط المرئية والمسموعة، إلى وفرة في الكتب لم نشهد لها مثيلًا؛ فالمعرفة لم تكن متاحة من قبل للكل سواسية وبالمجان، كما هي في عصرنا اليوم، ومن ثَم لم يعد التعلم اختيارًا ولا التفوق رفاهية لمن أتيحت له كل تلك الامتيازات، بل صار حتمًا وواجبًا وأمانة، لا بد من الوفاء بها.
يستمر التهافت على الدّوْرات التي يتولى الأهل عبء الإنفاق عليها، في حين أن كل شيء اليوم يمكن تعلمه ذاتيًا
ومع ذلك يستمر التهافت على الدّوْرات و"الكورسات" التي يتولى الأهل عبء الإنفاق عليها، في حين أن كل شيء اليوم - بلا مغالاة - يمكن تعلمه ذاتيًا، لمن أراد أن يفعل؛ فالمواقع والكتب والدورات والشروح الإلكترونية على الإنترنت، ما خَلَّت ولا أَبقَت فرعًا من المعارف إلا ولها فيها نصيب.
خذ مثلا أية لغة أجنبية – بما فيها اللغات الإفريقية والآسيوية – تَجِدْ لها آلاف المواقع، ذاتِ المواد المقروءة والمرئية والمسموعة، لشرحها بإسهاب، والمقبلون على تعلم اللغة العربية، تتوافر أمامهم آلاف المواقع والكتب الإلكترونية، لتعليم اللغة العربية بلغات وسيطة – أشهرها الإنجليزية، ومكتبات العالم كلها صارت مفتحة الأبواب على الإنترنت، والعديد العديد منها مجاني، حتى إن المكتبات العربية الإلكترونية أحرزت تقدمًا ملحوظًا.
والتشكيك المستمر في مصادر الإنترنت وموارده، صار حُجَّة قد وَهَنَت خيوطها؛ فالمصادر الموثوقة في ازدياد، والباحث الإنترنتي – كغيره من الباحثين – يكتسب خبرة في طرائق البحث، وحَدْسًا يُمَكنّه من تمييز الغَثِّ من السَّمين، ولكن الأمر يحتاج لمِران ودأب ومثابرة، شأن أية خبرة أو مهارة يكتسبها المرء في الحياة.
الفوضوية في طلب العلم الحر لن تبني علمًا حقيقًا ولا بنيانًا راسخًا، وإنما شذرات من هنا وهناك لا رابط بينها
ومن طرائف ما قيل لي حين كنت أعدّد فوائد الإنترنت، أن استخدامها كثيرًا ما يُحْوِج المستخدمَ لمعرفة اللغة الإنجليزية؛ وذلك حق.. لأن الإنترنت العربية لا تزال بحاجة للمزيد من التطوير والإمداد المعرفي، فيَحْسُن الاستعانة بلغة أجنبية وأشهرها الإنجليزية، في أمور البحث العلمي بالذات.
ووجه الطرافة في ذلك القول، أن ما تخيله القائل عقبة أمام استعمال الإنترنت، يُمْكِن في الحقيقة التغلب عليه باستعمال الإنترنت، من خلال آلاف المواقع التي تعلم الإنجليزية، من بينها مواقع عربية كذلك! وهكذا تصير العقبة غَلَبة، ويتحول الفشل إلى نجاح، بالجهد الذاتي وسعي الفرد في تطوير نفسه بنفسه.
هذا ولا غنى عن المنهجية في طلب العلم ولو كان الطلب ذاتيًّا، والاسترشاد بخبرات السابقين والاستعانة بموجه ولو عن بعد، والاعتصام بالدعاء وطلب الهداية؛ فالفوضوية في طلب العلم الحر لن تبني علمًا حقيقًا ولا بنيانًا راسخًا، وإنما شذرات من هنا وهناك لا رابط بينها.
وبذلك يظل الإشكال قائمًا وإن اتخذ شكلًا إبداعيًا؛ فإذا كنت مثلًا صاحب قراءات عريضة في أية لغة، ثم لا يمكنك أن تكتب مقالة سليمة اللغة حسنة الصياغة بغير أخطاء، فهذه قراءات غير واعية وغير نافعة بغض النظر عن كون موضوعها نافعًا أم لا، القراءة الواعية الممنهجة ليس بالضرورة ستنتج أديبًا أو شاعرًا، لكنها لا بد أن تثمر علمًا باللغة لفظًا وتعبيرًا، وروحًا وتذوقًا.
المنهجية الواعية في التعلم هي أساس الانتفاع بالعلم، وإلا فالعلم أكبر من أن يحيط به فرد، تمامًا كمن يريد أن يعبر البحر في الاتجاهات الأربعة كلها!
خيرُ ما تتولى من أمورك هو تهذيب نفسك وتطويرها، فاستثمر عمرك تَزدهرْ حياتُك، واستصحب النية الخالصة لله تَنْصلِحْ آخرتُك
يقول د. عبد الوهاب المسيري في كتاب "رحلتي الفكرية": "الرغبة المعلوماتية حينما تنهش إنسانًا فإنها تجعله يقرأ كل شيء حتى يعرف كل شيء، فيتنهي الأمر بالمسكين ألا يعرف أي شيء... المعرفة لا حدود لها والمعلومات بحر يمكن أن يبتلع المرء، ومن هنا لا بد من التوقف عند نقطة ما... فلو قرأت كل ما كتب عن تخصصي لقضيت سحابة أيامي أقرأ وأستوعب من دون أن أنتج شيئا"
ختامًا
رحم الله الشاعر القائل:
ما حكَّ جِلْدَكَ مثل ظُفْرك :: فتَولَّ أنت جميع أمرك
وخيرُ ما تتولى من أمورك هو تهذيب نفسك وتطويرها، فإنك أنفاسٌ معدودة، وكل يومٍ يَمضي، يُدْنِي من الأَجَل، فاستثمر عمرك تَزدهرْ حياتُك، واستصحب النية الخالصة لله تَنْصلِحْ آخرتُك، واللهَ أسألُ أن يحفظك ويسدد خُطاك.

الثقافة الأدبية من مقومات الداعية الناجح
المؤلف : د. وصفي عاشور أبو زيد
مجلة المجتمع
نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، ورسول الإسلام رسول عربي بعث للناس كافة، ومعجزة الإسلام الكبرى وآيته العظمى – وهي القرآن الكريم – معجزة بيانية وأدبية أثرت في مؤيديها ومعارضيها على السواء، بل كان معارضوها لا يستطيعون مقاومة سماعها دون استراق السمع لها والتأثر بها.
ولقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة في أكثر من موضع، وأكد على أنه نزل عربيا غير ذي عوج، بلسان عربي مبين؛ لتتحقق البشارة والنذارة، وليتحقق التعقل والتفهم والتدبر لآيات الله تعالى، نذكر من ذلك:
قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) (يوسف).
وقوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)) (النحل).
وقوله جل شأنه: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)) (الشعراء).
وقوله: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)) (طه).
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)) (الزمر).
وقوله: (حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)) (فصلت).
وقوله عز مِنْ قائل: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)) (الشورى).
وقوله جلت قدرته: (حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)) (الزخرف).
وروى البخاري بسنده عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُثْمَانَ أَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا (صحيح البخاري. كتاب . باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب وقول الله تعالى “قرآنا عربيا” “بلسان عربي مبين).
*الثقافة الأدبية مطلوبة للمسلم بله الداعية
لما كان القرآن الكريم هو المصدر الأول للداعية، الذي منه يستمد، وعليه يعول، وإليه يرجع، وبه يستشهد ـ وجب عليه أن يتفقه في التعامل معه، وحسن الاستشهاد به، ويتمرس بأسلوبه وبيانه؛ حتى يتسنى له خدمة الدعوة.
وإذا كان تعلم العربية مطلوبا لكل مسلم كما قرر الإمام الشافعي حين قال: “فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد، وغير ذلك” (الرسالة: 48-49. تحقيق أحمد شاكر. دار الكتب العلمية). فما بالنا بعلماء الإسلام ودعاته؟!.
ومن هنا كان على المشتغلين بالعلم والاجتهاد والفقه والأصول وشؤون الدعوة أن يتضلعوا من علوم اللغة العربية وآدابها: فقهًا في اللغة، ومعرفة بتاريخها، وتعمقًا في لهجاتها، وتأملا في دلالاتها، وعلما ومهارة في نحوها وصرفها، واطلاعًا وحفظًا لشعرها ونثرها بما ينهض بهم لاستيعاب الرسالة الإسلامية، وفهم تعاليمها ومبادئها ومقرراتها ونصوصها كما هي، وما يمكنهم من تبليغ هذه الرسالة كما فهموها في ضوء فهم اللغة العربية الشامل، وهي اللسان الذي نزل به الإسلام.
ولقد قرر الإمام الشافعي، وهو فصيح يحتج بكلامه في اللغة: أنه “لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحدٌ جَهِلَ سَعةَ لسان العرب وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها، ومَن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها، فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه، وإدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه وترك موضع حظه وكان يجمع مع النصيحة لهم قياما بإيضاح حق، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله وطاعة الله جامعة للخير” (الرسالة: 50).
فلن يستقيم للمسلم فهم الإسلام إلا بمعرفته بالعربية، ولن يستطيع الداعية أن يبلغ الرسالة ـ فضلا عن فهمها ـ إلا بالاطلاع الشامل على آدابها وأدبها.
*الثقافة الأدبية من محاور النهضة والإصلاح
إن الاهتمام باللغة العربية وآدابها شعرًا ونثرًا كان محط عناية الخلفاء الراشدين، وأئمة التابعين، والعلماء النافعين، وأحد محاور النهضة والإصلاح والتجديد عند دعاة الإسلام ومصلحيه على مر العصور؛ فهاهم الخلفاء الراشدون كان لكل منهم اهتمام بالشعر والأدب، ويروى عن كل منهم شعر، وبخاصة الإمام علي رضي الله عنه، ومن لم يكن منهم أديبًا شاعرا كان يروي الشعر ويحرص على روايته.
بل إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان له شعراء مثل: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وقد كان الشعر على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحد أسلحة المقاومة والإعلام، حتى قال لحسان رضي الله عنه: “اهجهم وروح القدس معك”.
وكان لرموز الإصلاح والتجديد والنهضة على مر العصور وعي بهذه القضية، التي تعتبر إحدى مرتكزات التجديد والنهضة، حتى إن الذاكرة المسلمة لا تكاد تذكر إلا من كان لهم صلة واهتمام وعناية بهذه القضية؛ ذلك، أن العلماء والدعاة والمجددين لن يقوموا بدورهم دون أن يرتكزوا على هذا المحور الهام.. فبعد الخلفاء الراشدين والصحابة جاء علماء ومجددون نفع الله بهم الأمة، وكان من مناطات هذا النفع ارتكازهم على هذه الركيزة الأساسية، ومنهم: فقهاء التابعين، وأئمة التزكية والسلوك، والأئمة الأربعة وبخاصة الإمام الشافعي، والإمام ابن تيمية ومدرسته، والعز بن عبد السلام، والقرافي، والشاطبي، والشوكاني، وزاهد الكوثري، ومحمد عبده، ورشيد رضا، ومحمد دراز، والطاهر بن عاشور، والسعدي، ومحمود شاكر، والغزالي، وعلي الطنطاوي، والقرضاوي، والشعراوي، وغيرهم.
*العناية بالثقافة الأدبية لازمة للبلاغ
إن النفس البشرية قد تتأثر بالبيان والبلاغة والشعر والنثر بما لا تتأثر معه بغيره من الأساليب؛ ولذلك كان من البيان سحر يسحر النفوس، ويبهج الأرواح، ويقنع العقول، ويمتع الوجدان، وقد روى البخاري بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا أَوْ إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ” (صحيح البخاري: كتاب . باب إن من البيان سحرا).
ولهذا يقول أديب العربية والإسلام مصطفى صادق الرافعي عن شعور النفس بجمال الأدب والبيان: “فنيةُ النفس الشاعرة تأبى إلا زيادة معانيها، فتصنع ألفاظها صناعة توليها من القوة ما ينفذ إلى النفس ويضاعف إحساسها، فمن ثم لا تكون الزيادة في صور الكلام وتقليب ألفاظه وترداد معانيه إلا تهيئة الزيادة في شعور النفس” (وحي القلم: 3/ 213).
وما ينبغي لداعية أن يسلك سيبل الدعوة دون أن يكون له أوفى الحظ وأفر النصيب من هذه الثقافة، يقول الداعية الكبير محمد أحمد الراشد: “وإني لأعجب من دعاة الإسلام الذين أراهم اليوم، كيف يجرؤ أحدهم على إطالة العنق في المجالس، والنشر في الصحف، قبل أن يجمع شيئا من البيان جمعه الطبري في تأويل آي القرآن؟ وكيف يسرع داعية إلى ذلك وهو لم يكثر من مطالعة كتب الأدب العربي القديم، ولم يعكف مع الجاحظ وأبي حيان، أو ابن قتيبة وأديبي أصبهان؟ وأعجب أكثر من هذا لداعية أثير حماسه لهذه العلوم والآداب فيقول: ليس لي وقت، كأنه غير مطالب بإتعاب نفسه تعبا مضاعفا، ولا شرع له السهر!” (نحو المعالي: 94. مؤسسة الرسالة).
إذن فالعلم بالعربية أحد المحاور اللازمة للبلاغ وحسن خدمة الإسلام بالإضافة إلى محاور في علوم أخرى؛ ولهذا يقول الشيخ محمد الغزالي: “إن الداعية ليس من الضروري أن يكون راسخ القدم في علوم السنة، وليس من الضروري أن يكون فقيها كأبي حنيفة ومالك وابن حنبل، إنما المهم أن يكون عنده قدر من الصحة العقلية وعلم بأوليات الفقه والسنة وسور القرآن وأوليات اللغة العربية بحيث يجعله كلُّ هذا يحسن خدمة الإسلام والدعوة” (مقالات الشيخ الغزالي: 3/159).
*الجهل باللغة والأدب مفسد للدعوة
وفي المقابل، فإن الجهل بالعربية وآدابها لن يؤدي معه الداعية رسالته، ولن يبلغ دعوته، بل إن الشيخ عبد العزيز بن باز قرر أن عدم العناية باللغة العربية يترتب عليه مفاسد كبيرة في مجال الدعوة (مجموع فتاوى ابن باز: 2/342).
وذلك أنه بذلك يغير المعاني، ويفسد الأذواق، وينفر الأسماع، فحسبك أن تجلس إلى خطيب أو داعية يتحدث وهو يلحن في اللغة أو يخطئ في النصوص الشرعية من هذه الناحية، فيكفيك من شر سماعه.
يقول شيخنا د. يوسف القرضاوي: “وانظر كم يقشعر جلدك، ويضطرب قلبك، ويتأذى سمعك، حين تسمع داعية يقول: التُّبْعة، وهو يريد التَّبِعة، ويذكر الأُهُبَّة، وهو يريد الأُهْبَة.. وآخر ينصب المرفوع، ويرفع المنصوب، ولا يفرق بين فاعل ومفعول به، ولا يبالي بإضافة ولا حرف جر” (ثقافة الداعية: 98. مكتبة وهبة. الطبعة العاشرة. 1416هـ/ 1996م).
بل إن اللحن فضلا عن إفساده للمعنى قد يؤدي إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال، يقول شيخنا: “وكثيرا ما يؤدي اللحن إلى إفساد المعنى وإخراجه إلى ما يناقض الشرع والعقل، وشر ما يكون ذلك إذا كان اللحن في كتاب الله، كذلك الإمام الذي صلى أعرابي خلفه، فسمعه يقرأ: “ولا تَنكحوا المشركين حتى يؤمنوا” قال: ولا إن آمنوا أيضا لن نَنكحهم! فقيل له: إنه يلحن، وليس هكذا يُقرأ. فقال: أخِّروه قبحه الله.. لا تجعلوه إماما فإنه يحل ما حرم الله” (ثقافة الداعية: 98).
إن الداعية الذي لا يستقيم لسانه على قواعد العربية ويطالع آدابها لا يؤتمن على فهم الإسلام؛ فضلا عن أن يقوم بمهمة البلاغ؛ لأن القرآن معجزة بيانية أدبية، والسنة النبوية عربية، وما لم يتفقه الداعية بالوعاء الذي احتوى كلام الوحي فلا يجوز له أن يشتغل بالدعوة؛ حتى لا يفسد الأذواق، ويقلب المعاني، ويحل الحرام، ويحرم الحلال.

اعرف نفسك
الشيخ علي الطنطاوي
إنكم تسمعون كل يوم أحاديث في الجد والهزل، وفي الخير وفي الشر، أحاديث تدعو إلى الوطنية، وأحاديث تسمو بالخلق، وأحاديث فيها متعة وفيها تسلية؛ ولكن حديثي الليلة أهم من هذه الأحاديث كلها، لا لأني أنا كاتبه، أعوذ بالله من رذيلة الغرور، بل لأنه أمسُّ الموضوعات بكم، وأقربها إليكم، ولأنه دعوة لكم لتعرفوا أنفسكم.
لا تضحكوا يا سادة، ولا تظنوا أني أهزل، ولا تقولوا: ومن منا لا يعرف نفسه؟
فإن كان مكتوباً على باب معبد أثينة كلمة سقراط: أيها الإنسان اعرف نفسك.
ومن يوم سقراط إلى هذه الأيام، لم يوجد في الناس _ إلا الأقل منهم _ من عرف نفسه!.
ومتى تعرف نفسك يا أخي، وأنت من حين تصبح إلى حين تنام مشغول عنها بحديث أو عمل أو لهو أو كتاب؟.
ومتى تعرف نفسك وأنت لا تحاول أن تخلو بها ساعة كل يوم تفكر فيها، لا يشغلك عنها تجارة ولا علم ولا متاع؟.
ومتى وأنت أبداً تفكر في الناس كلهم إلا نفسك، وتحدثهم جميعاً إلاّها؟.
تقول: أنا فهل خطر على بالك مرة واحدة أن تسأل: من أنا؟ هل جسمي هو (أنا)؟ هل أنا هذه الجوارح والأعضاء؟.
إن الجسم قد ينقص بعاهة أو مرض، فتبتر رجل، أو تقطع يد، ولكن لا يصيبني بذلك نقصان!. فما أنا؟
اعرف نفسك : طفل أم شيخ هرم
ولقد كنت يوماً طفلاً ثم صرت شابَّاً، وكنت شابَّاً وصرت كهلاً؛ فهل خطر على بالك أن تسأل: هل هذا الشاب هو ذلك الطفل؟ وكيف؟ وما جسمي بجسمه، ولا عقلي بعقله، ولا يدي هذه يده الصغيرة. فأين ذهبت تلك اليد؟ ومن أين جاءت هذه؟
وإذا كانا شخصين مختلفين فأيهما أنا؟ هل أنا ذلك الطفل الذي مات ولم يبق فيَّ من جسده ولا فكره بقية؟
أم أنا الكهل الذي يلقي هذا الحديث؟ أم أنا الشيخ الذي سيأتي على أثره بجسمه الواني وذهنه الكليل؟ ما أنا؟.
وتقول: حدَّثْتُ نفسي، ونفسي حدثتني؛ فهل فكرت مرة، ما أنت؟ وما نفسك؟ وما الحد بينهما؟ وكيف تحدثك أو تحدثها؟.
وتسمع الصباح جرس الساعة يدعوك إلى القيام، فقد حان الموعد، فتحس من داخلك داعياً يدعوك إلى النهوض، فإذا ذهبت تنهض ناداك منك منادٍ أن تَرَيَّثْ قليلاً، واستمتع بدفء الفراش، ولذة المنام.
ويتجاذبك الداعيان: داعي القيام وداعي المنام؛ فهل تساءلت ما هذا؟ وما ذاك؟ وما أنت بينهما؟
وما الذي يزين لك المعصية، ومن يصوِّر لك لذتها؟ ويجرُّك إليها؟ وما الذي ينفرك منها، ويبعدك عنها؟.
النفس والعقل
اعرف نفسك: يقولون: إنها النفس وإنه العقل؛ فهل فكرت يوماً ما النفس الأمَّارة بالسوء؟ وما العقل الرادع عنه؟ وما أنت؟.
وتثور بك الشهوة، حتى ترى الدنيا كلها مخدع الحبيب، والحياة كلها متعة الجسد، وتتمنى أماني لو أعطيها شيطان لارتجف من فظاعتها الشيطان، ثم تهدأ شهوتك فلا ترى أقبح من هذه الأماني، ولا أسخف من ذلك الوصول!
ويعصف بنفسك الغضب حتى ترى اللذة في الأذى، والمتعة في الانتقام، وتغدو كأن سَبُعاً حلَّ فيك، فصارت إنسانيتك وحشيَّة، ثم يسكت عنك الغضب، فتجد الألم فيما كنت تراه لذة، والندم على ما كنت تتمناه.
وتقرأ كتاباً في السيرة، أو تتلو قصة، أو تنشد قصيدة؛ فتحس كأن قد سكن قلبك ملَك، فطرت بغير جناح إلى عالم كله خير وجمال،
ثم تدع الكتاب، فلا تجد في نفسك ولا في الوجود أثارة من ذلك العالم.
فهل تساءلت مرة ما أنا من هؤلاء؟
هل أنا ذلك الإنسان الشهوان الذي يستبيح في لذَّته كل محرَّم ويأتي كل قبيح؟
أم ذلك الإنسان البطَّاش الذي يشرب دم أخيه الإنسان، ويتغذى بعذابه ويسعد بشقائه؟
أم ذلك الإنسان السامي الذي يحلق في سماء الطهر بلا جناح؟ أسبع أنا أم شيطان أم ملك؟.
اعرف نفسك : جماعة في واحد
أتحسب أنك واحد وأنك معروف، وأنت جماعة في واحد، وأنت عالم مجهول؟
كشفتَ مجاهل البلاد، وعرفت أطباق الجو، ولا تزال أنت مخفيَّاً لم يَظْهر على أسرارك أحدٌ؛
فهل حاولت مرة أن تدخل إلى نفسك، فتكشف مجاهلها؟.
نفسك عالم عجيب، يتبدل كل لحظة ويتغيَّر، ولا يستقرُّ على حال:
تحب المرء فتراه ملكاً، ثم تكرهه فتبصره شيطاناً، وما ملكاً كان قط ولا شيطاناً، وما تبدل، ولكن تبدلت حالة نفسك.
وتكون في مسرَّة فترى الدنيا ضاحكة، حتى أنك لو كنت مصوراً لملأت صورتها على لوحتك بزاهي الألوان،
ثم تراها وأنت في كدر باكية قد غرقت في سواد الحداد.
وما ضحكت الدنيا قطُّ ولا بكت، ولكن كنت أنت الضاحك الباكي.
فما هذا التحوُّل فيك؟ وأيُّ أحكامك على الدنيا أصدق، وأي نظريك أصح؟
وإذا أصابك إمساك فنالك منه صداع، ساءت عندك الحياة، وانمحى جمال الرياض، وطمس بهاءُ الشمس، واسودَّ بياضُ القمر، وملأت الدنيا فلسفة شؤم إن كنت فيلسوفاً، وحشوت الأسماع شعر بؤس إن كنت شاعراً،
فإذا زال ما بك بقدح من زيت الخروع، ذهب التشاؤم في الفلسفة، والبؤس في الشعر؛ فما فلسفتك يا أيها الإنسان؟ وما شعرك إن كان مصدرهما فَقْدُ قدحٍ من زيت الخروع؟.
وتكون وانياً، واهي الجسم، لا تستطيع حراكاً، فإذا حاق بك خطر، أو هبط عليك فرح وَثَبت كأن قد نشطت من عقال، وعدوت عَدْوَ الغزال، فأين كانت هذه القوة كامنة فيك؟
هل خطر على بالك أن تبحث عن هذه القوة فتحسن استغلالها؟
هل تساءلت مرة عندما تغضب أو تفرح فتفعل الأفاعيل كيف استطعت أن تفعلها؟.
إن النفس يا أخي كالنهر الجاري؛ لا تثبت قطرة منه في مكانها، ولا تبقى لحظة على حالها،
تذهب ويجيء غيرها، تدفعها التي هي وراءها، وتدفع هي التي أمامها.
الموت والحياة
اعرف نفسك: في كل لحظة يموت واحد ويولد واحد، وأنت الكل؛ أنت الذي مات، وأنت الذي ولد؛فابتغ لنفسك الكمال أبداً، واصعد بها إلى الأعالي، واسْتَولِدْها دائماً مولوداً أصلح وأحسن، ولا تقل لشيء: لا أستطيعه؛ فإنك لا تزال كالغصن الطري؛ لأن النفس لا تيبس أبداً، ولا تجمد على حال ولو تباعدت النقلة، وتباينت الأحوال، إنك تتعود السهر حتى ما تتصور إمكان تعجيل المنام؛ فما هي إلا أن تبكر المنام ليالي حتى تتعوده، فتعجب كيف كنت تستطيع السهر؟
وتدمن الخمر حتى ما تظن أنك تصبر عنها؛ فما هي إلا أن تدعها حتى تألف تركها، وتعجب كيف كنت تشربها؟!
وتحب المرأة حتى ما ترى لك حياة إلا بها، فما هي إلا أن تسلوها حتى تعجب كيف كنت تحبها؟!
فلا تقل لحالة أنت فيها: لا أستطيع تركها؛ فإنك في سفر دائم، وكل حالة لك محطة على الطريق، لا تنزل فيها حتى ترحل عنها.
فيا أخي! اعرف نفسك، واخلُ بها، وغُصْ على أسرارها، وتساءل أبداً: ما النفس؟ وما العقل؟ وما الحياة؟ وما العمر؟ وإلى أين المسير؟.
ولا تنس أن من عرف نفسه عرف ربه، وعرف الحياة، وعرف اللذة الحق التي لا تعدلها لذة، وأن أكبر عقاب عاقب به الله من نسوا الله أنه أنساهم أنفسهم!

تركيز لا تكاثر ..التوازن الدعوي في تحقيق الكم والكيف
محمد احمد الراشد
الرابط الأصلي للمقالة
كان في تدقيق الانتقاء ما يعصم من قواصم العفوية. وتَكْمُن العاصمة الثانية في تجميع متناسب مع جهود المربين، بحيث يمكن إسماعهم جميعًا الكلام الموجَّه، بتركيز مؤثر، ومنع التأثيرات الخارجية عنهم.
ولا شك في صعوبة هذا الحل الثاني.
ويقصد بالصعوبة: صعوبة (السيطرة) على الرغبات النفسية الأصيلة في كل إنسان في حب (الثراء) في كل شيء مما أشار إليها القرآن الكريم بإجمال في قوله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) [التكاثر: 1].
فالإنسان يحب الثراء الكمي العددي، في المال، والعلوم، والبنين، والأنصار، وفي كل شيء، وهي نزعة أو غريزة لا يمكن السيطرة عليها إلا بالتربية العميقة، وخطورة إهمالها تتأتى من أن إشباع الغريزة يؤدي إلى حصول (النشوة) في الإنسان، والنشوة حالة من حالات النفس الإنسانية تؤثر على العقل تأثيرًا سلبيًا، فتجعله في ركود.
إن النشوة ضد الخوف، وفي النفس الإنسانية يقترن الاطمئنان مع النشوة، والحذر مع الخوف.
والمعروف أن العقل أقصى ما يمكن تحفزًا واشتغالاً وشحذًا في حالة الحذر.
ومن هنا تصاحب النشوة اندفاعات غير مدروسة، يشترك فيها الجميع، القادة وتلاميذهم، لأن الإحساس بالثراء يولد الاطمئنان وإيحاءات الضمان.
معارك النفس:
إن هذا التقرير يؤكد ما قلناه من صعوبة الحركة التي تخوضها الدعوة، فإن ميدان المعركة هو النفس الإنسانية بكل تعقيداتها ومتناقضاتها.
أنت لا تتعامل مع أحجار صلدة، ولا مع أصحاب طهر ملائكي.
أنت تعيش وتتعامل مع نفس إنسانية، فيها الغرائز، غرائز حب البقاء، وحب التكاثر والثراء، وإشباع الشهوات الجنسية، وفيها النزعات: نزعات الثأر، والحذر، والدفاع عن عقيدتها، وحب شيوعها.
والمجتمع الذي أمامك هو مجموعة هذه الغرائز والنزعات والميول والرغبات، فإن لم تعرف المداخل والأبواب التي تدخل منها إلى هذا المجموع من الغرائز والنزعات المسمى بـ(المجتمع) فان الفشل يصيبك حتما، وإذا غالطت نفسك وتجاهلت هذه الغرائز والنزعات والميول والرغبات، فلن ضير وجودها شيء، وأنت تضار.
ستبقى هي لأنها وُجدت -بإذن الله- لتبقى، أما أنت فستزول وتخونك حساباتك وتقديراتك لأنك خالفت الفطرة.
إن النفس الإنسانية هي ميدان كل هذه الانقلابات الاجتماعية والسياسية الكثيرة المتواصلة التي يحدثنا عنها التاريخ القديم والحديث.
اندفاع وراء إشباع البطون، أو إشباع الشهوة الجنسية، أو طلب الترف.. اندفاع ثأر ممن سلبها أرضها أو نساءها.. اندفاع وراء إشباع عقيدة اعتقدتها، أو محاربة من يخالف هذه العقيدة، بالمفهوم الواسع للعقيدة، من مثل وقيم، حقة أو باطلة.
إنها اندفاعات مادية ومعنوية، قد تجتمع وقد تنفرد. هؤلاء هم البشر.
إن بعضهم قد وجد في نفسه المقدرة على توجيه الآخرين نحو قسم من هذه التصرفات التي تساعد عليها الغرائز والفطر، فسمينا عمله هذا (تربية).
إن معارك السياسة والحروب صورة لمعارك النفس.
ألهاكم التكاثر بالأمس، فاتزنوا:
وإذن فإن معركتنا معركة تربوية، أي أنها تقوى وتشتد كلما تعمقت التربية وأتقن المربي عمله، وتخبو جذوتها كلما فترت التربية وكانت سطحية.
أي إن الجهود التربوية لعدد محدود من القادة المربين إذا تركزت على التلاميذ فإنها تكون أعمق تأثيرًا فيهم كلما قل عددهم، بتناسب طردي، وتفتر ويقل تأثيرها كلما زاد عددهم.
ومع هبوط كمية التأثير يحصل الاندفاع العفوي غير الهادف، ثم القاصمة والمصرع.
وإذن فإن من مصالح معركتنا ألا يندفع الصنف القيادي المتولي لعملية التربية في تجميع عدد من التلاميذ أكبر مما تكفي له جهودهم التربوية.
وهذا هو الحل الثاني للوقاية من مصارع العفوية يمليه تحليل الظاهرة التربوية.
ولقد شهد تاريخ الحركة الإسلامية بالأمس القريب تكاثرًا بالعدد على حساب النوعية أرهق وألهى، وأجبر دعاة اليوم على الاتعاظ، وما اتزان التوسع إلا وصية الغد. نقول: إنها وصية الغد؛ لما رأينا من نسيانها.
والحقيقة إن أهمية الصف الداخلي المتين لا تنحصر في معطيات صفته التنظيمية وسهولة استغلال طاقاته المنسقة، بل في تحقيقه (المجتمع التربوي) الذي يحتضن الجديد المتربي ويريه زيادة المناظر الإسلامية ويحجب عنه رؤية الجاهلية والجاهليين وسماع أقوالهم، فيبعد عن التأثر بتربية أخرى غير إسلامية، ولمثل هذا أوجب الغزالي -رحمه الله- المسارعة إلى كبت الفسق وحجبه لئلا يؤثر منظره في نفوس المسلمين، وقال: "إن مشاهدة الفسق تهون أمر المعصية على القلب، وتبطل نفرة القلب عنها". [إحياء علوم الدين للغزالي (2/172)].
وهذا يعني أيضًا أن بقاء بعض الفسق بمعناه الشرعي عالقًا بالأشخاص الذين نجمعهم، لِعجز كفاياتنا وطاقتنا التربوية التوجيهية عن إزالته عنهم وتحويلهم عنه لكثرة عددهم؛ سوف يؤدي إلى احتمال سريان عداوة إلى العناصر النظيفة، لِما في العيش الجماعي من المشاهدة التي تؤدي إلى التقليد.
وعلى ذلك فإن جولات الداعية الضرورية بين الجماهير العامة مثلما تؤدي إلى تربيته عمليًا وإلى إغناء الدعوة بالعناصر الجديدة التي يكشفها؛ فإنها تؤدي أيضًا إلى احتمال تهوين أمر المعصية على قلبه إذا انقطع إليهم انقطاعًا طويلاً لكثرة المعاصي في حياة العامة، فوجب تردده على مجتمع الدعاة الصافي ليرى من مناظر الإيمان ما يضاد مناظر الفسق، ويكون جائلاً بين هذا المجتمع العام، وبين هذا المجتمع الخاص الذي يرقق قلبه أن أضرَّ به الأول، وهذا ما يؤدي بالتالي إلى الحرص على نقاوة هذا المجتمع الخاص ليؤدي مهمته التربوية هذه لكل داعية متجول بين العامة حين يفيء إليه.
والنقاوة لا تحصل إلا باتزان التوسع؛ فكلما كان التوسع السريع يستهلك الطاقة الحاضرة، فإنه يضعف الناتج القديم.
دور التجمُّع في التربية التكميلية:
والداعية الحر، المتفاعل مع التطورات والحاجات اليومية للحركة الإسلامية، يري عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- واقفًا أمامه في كل لحظة، وهو يدعو دعاءه المشهور: (اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر، وعجز الثقة)، فترتعش عضلاته رهبة، ويهفو قلبه رغبة، ويسارع ليتخذ من الإمكانيات التربوية للعمل الجماعي، ما يرضي به ظن أبي حفص الفاروق، فيعكف على توعية الأمين العاجز الساذج، وترقيق قلب ذي الجلادة الشغول المتهاون بأمر بعض الأعمال الإيمانية، ليزداد -بهذا السد للنقص- عدد الثقات الذين يجمعون بين الوعي والجلادة.
وهذا العنصر القوى الأمين هو خير من ينهض بأعباء الدعوة، ولا بد من تكميل صفة الجهاد في المؤمن، وتعميق إيمان المجاهد، كما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ) [الأنفال: 75].
قال ابن تيمية: "عقد الله سبحانه الموالاة بين المهاجرين والأنصار، وبين من آمن من بعدهم وهاجر إلى يوم القيامة: والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والجهاد باق إلى يوم القيامة. فكل شخص يمكن أن يقوم به هذان الوصفان، إذ كان كثير من النفوس اللينة يميل إلى هجر السيئات دون الجهاد، والنفوس القوية: قد تميل إلى الجهاد دون هجر السيئات. وإنما عقد الله الموالاة لمن جمع بين الوصفين، وهم أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- الذين آمنوا به إيمانًا صادقًا) [اقتضاء الصراط المستقيم ص49].
وتمكين كل داعية من الجمع بين الوصفين، وتمكين القضية الإسلامية من استثمار حسنات الطائفتين، مهمتان أساسيتان لتربيتنا الحركية.
فللأول، صاحب الإيمان، القاعد، أو صاحب الوعي ذي القلب القاسي: بما تتيحه التربية من تكميل نقصه على يد من سبقه من الدعاة.
وللقضية الإسلامية: بما يكون من تنسيق جهود الطائفتين بنوع تكامل وتعادل، وجمعها، وتخطيط صرفها لتؤدي فائدتها مجتمعة مركزة.
ليس من الجهد ما يهدر، ولكن النجاح قد يتأخر:
وتضيق الأرض بمتحمسة الدعاة حين نلح في بيات اتزان التوسع في وقت طال فيه المسير، ويرون أن هناك فشلاً يصيب الدعوة إن تخلت عن سباق العدد.
ولا ننكر أن أخطاء الماضي قد حرمت الدعوة في أماكن متعددة من العالم الإسلامي من فرص توسع وانبثاث مأمون في محيط مستعد لتقبل الكلمة، وأن أحزاب الضلال قد استغلت برود دعاة الإسلام فتقدمت بمراحل عليهم، ولكن الخطأ لا يستدرك بمثله، وتقييم فشل الدعوة ونجاحها في حقبة معينة لا يعتمد على إحصاء من استطاعت نقلهم من محيط الجاهلية إلى صفوفها، ذلك أن الدعوة طالما كانت سببًا في هداية آلاف من الشباب وعصمتهم من الفجور والزيغ وإن لم يدخلوا صفوفها؛ لأسباب مختلفة، وهذا في ميزان الإسلام عظيم. وطالما كانت الدعوة كالواحة في وسط الصحراء الموحشة المقفرة حين تأوي إليها جموع المسافرين فينعمون بظلها ومائها، ويأنسون بأهلها. وكثير عدد أولئك الشباب الذين احتضنتهم الدعوة في مراهقتهم، واجتازت بهم فترة الشباب بسلام، ورفلوا في ظلها، وأنسوا بأهلها، وإن أقعدهم الترغيب والترهيب عن مواصلة السير معها.
وكم نقلت الدعوة شاكًّا إلى اليقين، ومؤمنًا جاهلاً إلى العلم، وهذا في الميزان عظيم.
وكم أوضحت الدعوة من شبهة، وردت من تهمة، وأشادت بمناقب مظلوم، وكل ذلك في الميزان عظيم.
وإذن، فإننا يجب ألا ننظر بالمنظار القاتم الذي يولد اليأس في نفوس العاملين، فإن الدعوة لم تفشل، وينتظر من عمل فيها أجر مدخر كبير -إن شاء الله- مثلما ينتظرهم جني ثمار كثيرة زرعوا بذورها بالأمس.
إن أناسًا كثيرين -بتأثير عمل الدعاة الماضي والحاضر- تحتدم في نفوسهم معاني الإيمان والجاهلية، وهم الآن في صراع نفسي داخلي عنيف غير منظور، أيؤمنون ويقرون بما يقول دعاة الإسلام أم يبقون على ما هم عليه؟! وهؤلاء مصيرهم إلى الإيمان حتمًا حين يتضح الحق أمامهم اتضاحًا كافيًا، في حادثة تهزهم هزًا، وتخضهم خضًا، فيتمحضون، وينخرق حجاب الران على القلب، فيصل إليه النور. تمامًا كالإسلام المفاجئ المأثور عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم-؛ كعمر حين دنا من الصفا، فسمع أخته تتلو القرآن، فصفا، أو حمزة حين رجع من الصيد، فسمع كلام المؤامرة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فآمن وكسر القيد.
هل يقال إن كل أسباب إيمانهم جاءتهم في لحظة واحدة؟!
كلا؛ فإن معاني الإيمان كانت تحتدم في نفوسهم، وكان هناك صراع نفسي ظل يتنامى حتى فاض سيل الخير في تلك اللحظة.
ولئن حرصنا اليوم على عمق التربية، والاقتصار على الصفوة، واتزان التوسع، فلتغطية حاجة جحافل أهل الاحتدام هؤلاء يكون هذا الحرص، وإنهم لفي سير إلينا، وعما قريب يكون الوصول، والحادثة الهازَّة الخاضَّة خبيئة عند الله، يرحم الله بها الصابرين، ومن لا يؤمن بمثلها فهو بحاجة إلى نظر في السيرة والتاريخ جديد..
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين..

المسألة التربوية
د. محمد احمد الراشد
هذه المواعظ في فقه الدعوة وصفة الداعية يراد لها أن تكون زادا للعاملين ، ونزهة لهم يستريحون فيها من عناء الطريق ، ويتخذون منها الأنيس الرفيق ، فمن ثم وصفت بأنها رياض المؤمنين .ولكنها تميزت بسمة رئيسية وطابع واضح في الأمانة أدت إلى الإكثار من استلال فئة الدعاة من بين أسطر كتب التراث وبحوث المعاصرين من الدعاة وأشعارهم ، وجعل هذه الاستلالات أساساً لمحاولة اجتهادية تكميلية ، نسأل الله خلالها السلامة ، نكمل فيها نقص مباحث السابقين ، ونشرح ما أجملوه وأبهموه .
ولأن شطرا كبيرا من هذه الاستلالات يمثل أسطرا خفية منسية أرجعناها بطول التفتيش والتنقيب إلى ميدان التداول والمدارسة فإن عملنا كان كالإحياء لها.
ومن ثم فإن أصدق الأوصاف لعملنا هذا أن يوصف بأنه (إحياء فقه الدعوة) من الآن فصاعداُ . ويشاء الله أن تكون هذه المقالة حاوية لنقول موغلة في القدم ، ومن كتب بعضها نادر ، ليتضح معنى الإحياء الذي قصدناه.
عيسى عليه السلام قدوة المربين
لاشك أن الداعية يجب عليه أن يحرص في التجميع على العنصر الصافي الذي رعاه الله تعالى منذ طفولته ورباه وعصمه وأبعده عن الشهوات والرعونات والفتن. ولكن نجاح العملية التربوية في التجريب الإسلامي دل على أن أكثر من يفسق تجد بذرة الإيمان كامنة فيه ، ويمكنك إصلاحه ببيان طريق التوبة له .
وبذلك كان إصلاح الفساق من قواعد الدعوة الإسلامية وأصولها ، وبات الداعية الذي ينزوي لندرة المعادن الصافية معابا .بل بذلك بات الجانب الإصلاحي في العلميات التربوية في الدعوة الإسلامية شطرا مهماً فيها من بعد شطر التربية التكميلية التي تتولى تنقية العناصر الصافية وتوعيتها وتكميل ما ينقصها من فنون العمل أو صفات الإيمان العالية .ومع أن تاريخ هذه التربية الإسلامية الإصلاحية يرتقي إلى النبوات الأولى ، إلا أن عيسى عليه السلام هو الذي شهر بها وصار قدوة المربين .فمما يتداوله أهل المواعظ : ( أن يحيى وعيسى عليهما السلام كانا يصطحبان في السياحة ، فإذا بلغا قرية أو مدينة يقول عيسى : دلوني على أفجر رجل في هذه المدينة وأطغاه.
ويقول يحيى : دلوني على أبر رجل وأتقاه . فيقول يحيى لعيسى : يا ابن خالة ، ما لك لا تنزل على الأبرار والأتقياء ؟ فيقول : إنما أنا طبيب أعالج أهل البلوى ، وأوداي المرضى). ولا نقول للداعية اليوم أن يضيع وقته وجهده في التفتيش عن أفجر الرجال وأطغاهم ليصلحهم ، فإن في الناس بقية خير واضحة بقرب وصولنا أن جعلناها ديدننا ، وطغاة الرجال وفجارهم تصلحهم رهبة الشرع فيما بعد ، ولكن نقول للداعية اليوم أنه طبيب وأن عليه أن لا ينسى مهمته هذه .
أنت طبيب أيها الداعية يراد منك أن تعالج بلوى الناس من هذا الإخلاد إلى الأرض، ومن هذه الفلسفات ، والتجزيات الباطلة ، والتردي في عبادة الدينار .
أدي واجبك وفتش عن المرضى في بقية الخير هذه . إنها طائشة مختلطة مخلطة ، لم تسلم السلامة الكاملة ، ولم تسرف على نفسها ، وفي إصلاحها وترتيبها أمل استئناف الحياة الإسلامية . لا تطل المكث عند الأتقياء من إخوانك كما كان يفعل يحيى ، وإنما يكفيك معهم مجلس يسير يديم حبك لهم واتعاظك بمظهرهم وسمتهم .
أصرف وقتك مع المرضى معالجاً ومصلحاً .ومنهم هذه الناشئة المريضة .
هناك ناشئة من ذراري المسلمين بريئة كل البراءة، ويمكن أن تتحمل رحلة العودة إلى الإسلام ، لكنها مريضة ، أمرضتها مناهج الدراسة العلمانية التي تتستر بتدريس حصص الدين ، وأمرضتها طوائف المدرسين الذين لا تحكم عملية اختيارهم قواعد صحيحة ،وأمرضتها مناهج التلفزيون ، وصور الصحف وغيرها.
وعـي القدماء لنظرية التربيـة
وحين قل لنا في بعض مصادر فقه الدعوة أن نظرية التربية ترتكز على استغلال إمكانية تأثر النفس الإنسانية بالمسموع والمنظور ظننا أن ذلك مما اقتبس من أبحاث التربية الغربية الحديثة ، ولكن تنقيبنا عن فقه الدعوة الذي نحييه كشف عن وعي القدماء من علماء المسلمين ، وكما رأينا أقوال وسير الفقهاء الأوائل التي تتكون منها الأصول القديمة لنظرية المجتمع الحركي والعمل الجماعي ، فإننا نرى أيضاً القول الواضح لهم في نظرية التربية .
يقول الزاهد الثقة أبو عثمان الحيري النيسابوري: ( فعل من حكيم في ألف رجل أنفع من موعظة ألف رجل ، وإنما هي مصادفات القلوب من حيث صفاء القلوب عندما يطرقها واردات الغيوب من المسموعات والمنظورات ، فإذا اتفقت قويت ، إذا اختلفت وضادت ضعفت ، وسقطت عنهم رؤية التمييز، فلا يتغيرون ، ولكن ربما تجد لهم أذكارهم بما يسمعون ، وتصفو لهم المشاهدات وقتا بعد وقت ، وذلك زيادة صفاء تجدد لهم عند سماع الحكمة ) وهو هنا يشرح نظرية التربية بأسلوب ذلك العصر واصطلاحاته الصوفية المبهمة ، ولكن في قوله إشارة واضحة إلى هبة ربانية يمنحها كل صادق مستقيم ، يسمعه فيها ما هو صالح ، حقيقة أو مجازا ، ليطيب بصره.
ولكن إن منح الله هذه الهبة ، فإن المربي عندنا ، في التربية الإسلامية ، يمنح الرفق بتلميذه ، ويسمعه ويريه الطيب ليطيب ، ومن تم كان الرفق أساس التربية .
لا تظهر الاسـتاذية
والرفق يقود الى التدرج معهم ، وتحمل أخطائهم وعيوبهم، والمربي لا يكثر من الأوامر ومظهر الصرامة ، فإن التلميذ ينفر ، ويحس بذلك كما قال سعيد بن تركان: ( صحبت أنا وأخي علي يعقوب بن الوليد بعد صحبة الجنيد ، فما عظم في قولبنا أحد ولا تجاوز أحد الجنيد ، لأنه كان يؤدبنا تأديب شفقة ، والآخرون يؤدبونا تأديب رياضة وإظهار أستاذية.) فليس عندنا ميدان إظهار أستاذية . كلا أيها الداعية . بل أخوة وعطف ولطف وحنان . وإن النفوس حساسة فاحذر .
لا تضجر من بطء سير ، ولا تيأس من إصلاح ذي العيوب ، بل افتح لتلاميذك القلب الواسع ، وأطل لهم الصبر ، وتدرج في التهذيب.
إن المربي الذي يميل صبره بسرعة ولا يصمد أمام تسويف التلميذ لا يسمى مربيا.كذلك من ناحية أخرى ، فإن تأثيرات المسموعات الذي إشار إليه أبو عثمان الحيري يوجب على المربي أن يحسب لكلماته التي ينطقها أكثر من حساب ، وأن يضمن تأثيرها على من يسمعها ، فإن رجح أنه التأثير الحسن أمضاها ،وإن خاف التأثير السيء توقف وتهيب ، ثم يزيد حسن كلامه بحسن منظر أفعاله وتصرفاته.
إن الكثير من الدعاة وإن كانت مستوياتهم حسنة ومعادنهم قوية ، فإنهم في أثناء غفلة من أنفسهم ، أو في حالات الإرهاق الذهني والبدني ، يلينون فيتأثرون بما هو ضعيف من كلام الدعاة الآخرين وتصرفاتهم ، فيلقدونه ، أو العكس ، يجدون منه الضجر الذي يزين لهم العمل مع هذا الداعية ، أو ترك العمل كله في شبه احتجاج، فكان من اللازم أن يتورع كل داعية في كلامه وأفعاله ، لئلا يقلده أو يضجر منه غيره ، فإن العيش الجماعي ما يساعد على هذا التقليد ، وإن الإرهاق ما يساعد على هذا الضجر.
إنما هو ترغيب وترهيب
ومن تمام مهارة المربي في إسباغ رفقه على تلاميذه أن يمهر في ترغيبهم وترهيبم، فإن في الترغيب نوع رفق ظاهر، وليس هو الترهيب بأقل ، فإن الترهيب لا يكون إلا من شفقة على التلميذ وخوف أن يصل إلى المصير الرهيب.
وأما الترغيب بالجنة وبكل خلق حسن يؤدي إليها ، والترهيب من النار ومن كل خلق سوء يوقع فيها ، فهو الترغيب والترهيب في صورته العادية التي يسبق إليها الذهن ، وقد أكثر الله ورسوله من مخاطبة الناس بذلك.
ولكن وجه آخر فيه نوع من خفاء أشار إليه الفقهاء القدماء من الترغيب والترهيب ، وهو أسلوب الترهيب من التقصير بذكر النموذج الإيماني ، واستمداد ترغيب بذكر نماذج الانحراف البالغة السوء التي لابد أن يكون المخاطب أحسن حالا منها.
وكيفية ذلك أن يقلد المربي القرآن ، فيعرض صورا نموذجية عالية من أفعال الخير الإيمانية ، كي يقيس التلميذ نفسه بها دائماً ، فيتضح له ما هو فيه من التقصير ، فترهبه المنزلة الواطئة المتأخرة ، فيشمر للارتقاء ويعرض المربي صورا من الإفراط في السوء والشر والغفلة وتحكيم الهوى وتفضيل حظوظ النفس ليشعر التلميذ إذ يربأ بنفسه عن مثلها أنه على بقية من خير ، فتأخذه عزة إيمانية ترغبه في رحمة الله . وبهذا التردد بين الرغبة والرهبة تدوم استقامته ، ويدوم تمييزه لموضعه من رضى الله سبحانه وسخطه ، بحسب البعد والقرب من أحد الطرفين، كي لا يسكن الى حالة هي مظنة الخوف لقربها من الطرف المذموم ، أو مظنة الرجاء لقربها من الطرف المحمود ، تربية حكيم خبير.
وقد روي في هذا المعنى عن أبي بكر الصديق في وصيته لعمر بن الخطاب عند موته حين قال له :” ألم تر أنه نزلت آية الرخاء مع آية الشدة ، وآية الشدة مع آية الرخاء ، ليكون المؤمن راغبا راهبا ، فلا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له ، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيده إلى التهلكة . أو لم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسيئ أعمالهم ، لانه رد عليهم ما كان لهم من حسن ، فإذا ذكرتهم قلت :إني أخشى أن أكون منهم ، وذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم عما كان لهم من سيء ، فإذا ذكرتهم قلت : إني مقصر ، أين عملي من أعمالهم ؟ “. هذا ما نقل ، وهو معنى ما تقدم ، فإن صح فذاك ، وإلا فالمعنى صحيح يشهد له الاستقراء .
وقد روي : ” أولم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسيء أعمالهم لأنه رد عليهم ما كان لهم من حسن ، فيقول قائل : من أين أدرك درجتهم ؟ فيجتهد ” . والمعنى على هذه الرواية أيضاً يتنزل على المساق المذكور ، فإذا كان الأخيتين المنصوتين ، في محل مسكون عنه لفظا ، منبه عليه تحت نظر العقل ، ليأخذ كل على حسب اجتهاده ودقة نظره ، ويقع التوازن بحسب القرب من أحد الطرفين والبعد عن الآخر )فهذه الطريقة وجه ثاني للتخويف والترهيب بذكر آيات النار وأخلاق الكافرين والمنافقين ، ووجه ثان للتشويق والترغيب بذكر آيات الجنة وأخلاق المؤمنين . ويتضمن هذا الوجه الثاني كما رأينا استمداد نوع رهبة من التقصير وحياء عند ذكر أوصاف المؤمنين ، ونوع رجاء وشعور بالعزة عند ذكر أوصاوف الكفر والنفاق . وواضح أن هذا الأسلوب إنما يتبع مع من أسرف على نفسه وضمرت معاني الإيمان فيه . وهذا الوجه الثاني يعرف أهل التربية مناسبته لمن هم جدد في أول الطريق أيضاً ، إذا ربما ينسيهم الترهيب في الوجه الأول سعة رحمة الله الرحمن الرحيم خاف ذنوبه ، واعتراء اليأس ، وانغمس كلية في الآثام .فإذا كبا الناشيء ، فعليك أن تترفق معه ، وتبين له سبل التوبة ، وأن الله أفرح بتوبته من فرح من أضل ناقته في فلاة وعليها شرابه وطعامه ، ثم وجدها لشدة فرحه ، وجعل يقول في إظهار شكره لله : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، كما في الحديث الصحيح عند مسلم .
أوليات التربية التكاملية
وحين تدفع بأخيك التلميذ الراتب الراهب إلي العمل التجميعي ، فاحرص على أن تصوغه الصياغة التي تراعي التكامل والانسجام وتوفير جميع الصفات التي يحتاجها كداعية . وفرله قسطاً إيمانياً كافياً ، وعلماً شرعياً أوليا ، وفقا لفنون الدعوة وقضايا العمل الجماعي ومبادئ الطاعة والأمور العاصمة من الفتن، ودراسة الناس وكيفية تخير العناصر الصالحة ، وإلا فإن الصياغة الجزئية المضطربة الناقصة توقعه في أخطاء ، أخطاء اختياره للعناصر،وأخطاء في تبليغها الدعوة حسب أهميتها ، وأخطاء في معاملته اليومية لهم. فإن لم تسارع إلى صياغته أنت فإنه سيصوغ نفسه باجتهاده . فإذا كانت فيه بذرة إيمانية : نراه يترك العمليات التجميعية وينصرف إلى نفسه معلما ومهذبا في انزواء ، فيكثر من صلاته وحفظه القرآن ، يلزم المساجد ، ويعكف على الكتب يقرأ منها الكثير ويستزيد، حتى يصطبغ بهذه الصبغة التعبدية العلمية الانزوائية، ويستأنس بها ، ولا يعود يحاول دعوة آخرين .
وفي المجتمعات التي يكثر فيها الزهد المبتدع وذكر الفناء ووحدة الوجود، أو يكثر فيها التناظر الفقهي الخشن. نرى مثل هذا الناشيء يجد له في الزهد المتطرف المبتدع أو التناظر باللسان السليط مادة لذيذة ينفس فيها ما في صدره ، فيسير مع دعاته مع بقاء حبه للدعاة الذين ربوه ، وبقي مأسورا إلى جانبين ، وقد تخطفه النزعة التطرفية . وقريب من هذا كثرة الولع بالرياضة وأخبارها ، أو صرف طاقته في الأسفار .وكل هذه الانحرافات قابلة لأن تستغل من قبل أصحاب الفتن استغلال واسعاً ، الفتن بمعناها العام لا فتن الخروج على سياسة الدعوة فحسب ، فيخرج في فتنة باسم الزهد يستغلها رجل خداع يعرف طرق الاستدراج ، أو فتن التناحر المذهبي الفقهي ، أو فتن الدنيا بمعناها الواسع وحصر الهمة في حيازة دار أو مركز مرموق ، وكم من جليس للدعاة يتقرب إلى الله بحثهم على الإسراع بحيازة دار والتملق للوصول إلى منصب وينسيهم الدعوة، ويظن نفسه ناصحاً أميناً .
ومن ها هنا وجب على المربي الداعية أن يبدأ بتكوين وعي شامل وعميق لدى تلميذه يعصمه من هذه المزالق والأخطاء .
إنه وعي : شامل وعميق .
وعي عقائدي : يستقيم به على دروب السلف وعقيدة من يحرص على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وجماعة الآخذين بها من الأوائل ويعصمه محدثات الأمور وبدع الاعتزال والتجهم والإرجاء ووحدة الوجود.
وعي فقهي : يحمله على تتبع النص الصحيح أنى وجده ، من غير ما سلاطة لسان على المقلدين ولا خشونة
ووعي سياسي : يبعده عن الكمين الذي ينصبه له العدو ، ويبصر به لوائح الخطر وإشاراته من على بعد، ويدله على أماكن الفرص وأوقاتها ليستغلها .
وأهم شعب هذا الوعي للناشيء : الوعي العقائدي، إذ يتضح في مجال العقيدة أثر نوع البداية واستمرارها حتى النهاية أكثر من اتضاحه في المجال الفقهي والسياسي .
إنه لابد للداعية المربي من أن يبذر في قلوب إخوانه التوحيد الصافي البعيد عن البدع وتأويل النصوص الواضحة ، ولن يلتذ مسلم بعبادة أبدا ما دام توحيده مكدرا.
وما أحلى أن نتذكر في هذا المجال قول أبي الطيب المتنبي رحمه الله من أن :
( صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد) فإذا ذاق أخوك طعم التوحيد : انخلع عن دنياه ، وحلق في أعلى الأجواء ، وذلك ـ كما يقول ابن القيم في مدارج السالكين ـ: ( إن القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها ، من مال أو رياسة ، وتعلق بالآخرة ، والقدوم على الله عز وجل ، فذلك أول فتوحه وتباشير فجره ، عند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضي به ربه منه ، فيفعله ويتقرب به إليه ، وما يسخطه منه ، فيتجنبه ، وهذا هو صدق عنوان إرادته ، فيفتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات.
ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث يكاد يشبع منه . ثم يفتح له شهود عظمة الله المتكلم به وجلاله ، وكمال نعوته وصفاته وحكمته ، ومعاني خطابه ، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب فيه ، ويحس بقلبه قد دخل في عالم آخر غير ما في الناس فيه .)
فأول ما يلح فيه المربي أن يغرس في تلميذه معنى التوحيد الصافي وأن يثبت في قلبه دلائل وجود الله ، الدلائل الفطرية غير المصطنعة الفلسفية ، وأن يأخذه في سياحة ممتعة إلى الآيات المكية التي تدعو إلى هذا التأمل والتفكر ، وفي طائفة من الأحاديث الصحيحة التي تؤيد معاني هذه الآيات . ثم يعلمه أسماء الله الحسنى وكيفية التعبد بها ، وصفات الله تعالى تقتضيها هذه الأسماء ، فيدل على ما يجب أن يكون بقلبه من شواهد لكل اسم من هذه الأسماء ، كالذي يقتضيه اسم العلي من تواضع المؤمن ، وما يقتضه اسم الجبار والمنتقم والعظيم من عدل المؤمن وخوفه من الظلم والغرور والخيلاء .
فإذا دعا الجديد الناشئ وشارك في العملية التجميعية بهذه الصياغة المتينة فإنه سينقلب بإذن الله من نصر إلى نصر ، ومن توفيق إلى توفيق ، ونجاح إلى نجاح ، رابط الجأش لا يذهب بصبره نكوص الناكثين ، لا يحار جوابا أمام من خدعه المتطرفون ، آسرا للمقابل بظرفه ودماثته وفتوته وحلمه وجميل خلقه ومعاملته ، فهو الداعية الموفق الذي إذا مر نفذ، وإذا عزم تقدم ، وإذا بشر نجح ، وإذا استجيب له ربى ، وإذا ربى عصم ، يغدو في الدعوة ، ويروح إلى الدعوة .
إن هذه التربية التي تقول بوجوبها لمن نريد أن ندفعه إلى مباشرة دعوة مباشرة دعوة الناس هي التربية التي ربى الله تعالى عليها الأنبياء حين أراد لهم أن يصلحوا أمر الناس ، كما يقول عبد القادر الكيلاني ، وقبل ذلك التبليغ كانوا في تفكر وتحنث ، أي في فترة تربوية .
يقول رحمه اللهلايزال العارف أخرس
اللسان بين يدي الحق عز وجل حتى يرده على مصالح الخلق ، فإذا رده إليهم رفع الكلال
عن لسانه والعجمة عنه .
موسى عليه السلام لما كان يرعى الغنم كان في لسانه لكنة وعجلة وعجمة ووقفة ، فلما أراد الحق عز وجل أن يرده ألهمه حتى قال :” واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي”. كأنه يقول : لما كنت في البرية في رعي الغنم لم أحتج إلى هذا ، والآن قد جاء شغلي مع الخلق والكلام لهم ، فأعني بذهاب الكلال من لساني .)
يوسف عليه السلام لما خرج من الجب والسجن وصبر على تلك الشوائد وتمكن وصار الكل تحت يده قال لإخوته:” ائتوني باهلكم أجمعين “، لما جاءه الغنى والملك وذهب القبض وجاء البسط . قبل ذلك كان أخرس في الجب والسجن ، فلما خرج جاءت الفصاحة .)