المشاركات المكتوبة بواسطة mohamad issa

صورة mohamad issa
بواسطة Wednesday، 8 July 2026، 9:31 AM - mohamad issa
أي شخص بالعالم


كيف ننتفع بالقرآن؟

مدخل: في هذه الظروف التي نحياها مع ضغط الحياة وإكراهات الواقع وانشغالنا في أعمالنا اليومية والهموم الحياتية وتزاحم الأعمال، قلّ ارتباطنا بالقرآن تلاوة وتدبراً، وجمدت قلوبنا لفهم آياته واستلهام معانيه، يصف لنا الإمامُ ابنُ القيم وصفةً تربوية لعلاج هذا الواقع، وذلك من خلال تدبّره لقول الله تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذْكِرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ )ق: 37).

وسوف نقارب هذا المقال في المحاور الثلاث التالية:

وقفات تربوية من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله

هذه الآية العظيمة رسمت الطريق إلى الانتفاع بالقرآن، وقد استخرج منها الإمام ابن القيم رحمه الله قاعدة جليلة، وهي أن أثر القرآن في القلب لا يتحقق إلا إذا اجتمعت أسباب أربعة.

أولًا: استحضر عظمة المتكلم

إذا فتحت المصحف أو استمعت إلى القرآن، فلا يكن همك إنهاء الورد أو إتمام السورة، بل استحضر أن الذي يخاطبك هو رب العالمين، وأن هذا القرآن رسالة الله إليك، يدعوك بها إلى الهدى، ويعرفك بنفسه، ويأمرك وينهاك، ويبشرك وينذرك.

فكلما قوي هذا الاستحضار، ازداد حضور القلب، وعظم الانتفاع.

ثانيًا: أركان الانتفاع بالقرآن

1- المؤثر: كلام الله

القرآن هو مصدر الهداية والنور والشفاء، وهو وحده القادر - بإذن الله - على إحياء القلوب وتغيير النفوس.

2- المحل القابل: القلب الحي

ليس كل قلب ينتفع بالقرآن؛ وإنما ينتفع به القلب الحي الذي يطلب الحق، ويحب الهدى، ويخشى الله، أما القلب الغافل أو القاسي فيضعف تأثره مهما كثرت التلاوة.

3- الشرط: حسن الإصغاء

وهو أن يجتمع السمع والقلب على تدبر الآيات، فلا يقتصر الإنسان على سماع الألفاظ، بل يتأمل المعاني، ويتفكر فيما يقرأ.

4- زوال المانع

وأعظم الموانع غفلة القلب، وانشغاله بالدنيا، أو شرود الفكر أثناء التلاوة. فإذا حضر القلب، وزالت الغفلة، ظهر أثر القرآن في النفس.

ولهذا فإن اجتماع القرآن، والقلب الحي، والإنصات، وحضور القلب هو مفتاح الانتفاع بكلام الله.

 

ثالثًا: الناس في تلقي القرآن

يشير ابن القيم رحمه الله إلى أن الناس ليسوا سواء في الانتفاع بالقرآن.

فمنهم من رزقه الله قلبًا حيًا وفطرة سليمة، فإذا سمع القرآن وافق ما فيه ما استقر في قلبه من محبة الحق، فازداد يقينًا، واجتمع له نور الفطرة مع نور الوحي، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿نورٌ على نور﴾.

ومنهم من يحتاج إلى مزيد من التأمل والإصغاء والتدبر حتى يتبين له الحق، فيقوده القرآن إلى الهداية شيئًا فشيئًا. وكلا الفريقين على خير، لكن الأول أكمل بصيرة وأقوى يقينًا.

كيف نجعل للقرآن أثرًا في حياتنا؟

  • اقرأ وأنت تستحضر أنك بين يدي الله.
  • ابدأ التلاوة بقلب فارغ من الشواغل قدر المستطاع.
  • اقرأ بتأنٍ، ولا تجعل همك كثرة الصفحات.
  • كرر الآية التي تؤثر في قلبك.
  • اسأل نفسك عند كل أمر أو نهي: ما الذي يريده الله مني؟
  • اجعل لكل ورد قرآني ثمرة عملية تطبقها في يومك.

رسالة أخيرة

قد يقرأ اثنان المقدار نفسه من القرآن، لكن أحدهما يخرج بقلب امتلأ إيمانًا وخشية، والآخر لا يكاد يتغير؛ لأن الفرق ليس في مقدار القراءة، وإنما في مقدار حضور القلب.

فإذا أردت أن يكون القرآن ربيع قلبك، فاجمع عليه قلبك، وألق إليه سمعك، وأقبل عليه بكل جوارحك، فإن القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن أقبل عليه بقلب حي، وعقل متدبر، ونفس متعطشة للهداية.

قال ابن القيم رحمه الله: إذا حصل المؤثر، وهو القرآن، ووجد المحل القابل، وهو القلب الحي، ووجد الشرط، وهو الإصغاء، وانتفى المانع، وهو اشتغال القلب وغفلته؛ حصل الأثر، وهو الانتفاع والتذكر.

المصدر: الفوائد لابن القيم، ص3-5.