المشاركات المكتوبة بواسطة mohamad issa

صورة mohamad issa
بواسطة Wednesday، 22 April 2026، 12:26 PM - mohamad issa
أي شخص بالعالم

أفضل منه أو مثله

أ. محمد أبو عبد الرحمن

{۞ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَایَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَیۡرࣲ مِّنۡهَاۤ أَوۡ مِثۡلِهَاۤۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ }

[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٠٦]


تشير هذه الآية الكريمة إلى أن من سنن الله تعالى تغيير تشريعات بأخرى مثلها أو تفوقها مصلحة للناس، 

وقد ظهر ذلك جليا في إرسال رسل بشرائع تنسخ سابقاتها أو بعضا منها، فقد جاءنا أن عيسى عليه السلام جاء بتشريعات تنسخ بعضا مما كان قبله "ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم"، وقال تعالى عن القرآن الكريم أنه مهيمن على ما سبقه "مصدقا لما بين من الكتاب ومهيمنا عليه"، 

وقد ذكر علماء المسلمين أن النسخ في الأحكام قد ثبت وجاءت آية النسخ الكريمة وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم توضح ذلك وجاءت الأحكام مناسبة لتغير حال الأمم، فنتعلم منها ان علينا مراعاة تغير الأحوال في تشريعاتنا وقراراتنا،

وقد جاءت الشريعة المطهرة لتكون الباقية لجميع الأزمان والأمم فاحتوت على ما هو ثابت لا اجتهاد فيه مثل العبادات وأصول الإيمان وبعض الثوابت كأحكام الميراث، وأما الكثير من المعاملات فجاءت الشريعة بمبادئ ومحددات كالعدالة والشورى علينا مراعاتها في تشريعاتنا وقراراتنا ، وتلك المبادئ والمحددات تندرج تحتها مساحة الاجتهاد وتفاوت الرأي في تحقيق المصالح،

وإن ما يتخذه الناس كل من موقعه من قرارات هو نتيجة اجتهادات وموازنات يغلب فيها جوانب على أخرى، 

وكلما تعددت الاختيارات وتداخلت كان الأمر يتطلب تمحيصا وتداولا من أهل الاختصاص والخبرة وذلك ينطبق على سائر جوانب حياتنا السياسية والتجارية والاجتماعية وغيرها،

إن اتخاذ قرار له آثار محدودة قد لا تتعدى الشخص أو المكان أو الزمان يحسنه الكثير من الناس ولكن ما ينبني عليه نتائج واسعة زمانا ومكانا ولها مابعدها يتطلب دراسة وتمحيصا ويزن المصالح والمفاسد من أهل الاختصاص والخبرة، وعليه يكون القرار المتخذ هو الحق النسبي، ولو تبين بعد ذلك أن فيه خطأ أو ظهر ما هو أفضل فلا تأخذنا العزة بل نسعى للأفضل،

وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حين أوصانا أنه من أقسم على أمر ثم تبين له ما هو أفضل منه فعليه أن يكفر عن يمينه ويفعل ما هو أفضل،

ولنا في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ما يوضح ويعضد، فقد كان أن اتفق صلى الله عليه وسلم مع قبيلة غطفان خلال حصار الخندق أن ينفكوا عن الأحزاب المحاصرة للمدينة ويعودوا إلى ديارهم مقابل دفع جزء من ثمار المدينة لهم، وحين عرض النبي هذا الأمر على الأنصار للنقاش كان رأيهم ألا يدفعوا شيئا وعليه أقر النبي ذلك وغير في القرار، 

ولنا في بنود الحديبية مثال حيث رأى بعض الصحابة في بعضها إجحافا للمسلمين، ولكن تبين لهم لاحقا أنها كانت تعكس قراءة دقيقة للواقع واستقراءا للمستقبل أفاد المسلمين وساهم في انتشار الدعوة خلال عامين أكثر من سنوات عديدة سابقة،  

مما سبق يتوضح أن على صناع السياسات والمخططين أن يديموا التقييم والتعديل وأن يبقى الباب مفتوحا للنقد والمقترحات لتصويب القرارات وتجويد الأعمال،

إن القرار الذي نتخذه اليوم قد بني على ما توفر من معلومات وتحليلات فلو ظهر جديد أو تبين أن ما بني عليه من معلومات كان مغلوطا أو أسيء تأويله فالواجب المراجعة الدقيقة وتصويب القرارات،

كما ينطبق هذا على القرارات السياسية والتجارية فإنه ينطبق على التشريعات، فلو تبين أن قانونا خالف مبدأ العدالة لوجب إعادة النظر فيه وإحداث التعديل لما فيه من خلل.

إن سائر القرارات والاجتهادات هي نتاج تقييمات بشرية وازنت بين المصالح والمفاسد فهي الأصح في نظرنا ولا يدعي عاقل أنها الحق المطلق بل هو نسبي وقد يجد ما يدعونا لتغيير مواقفنا وقراراتنا لما تقتضيه المصلحة فلا ينكر على من يفعل ذلك بل هو الأحكم وهو ما نستقيه من الآية الكريمة أعلاه وتوجيه الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم.

[ تم التعديل: Wednesday، 22 April 2026، 12:30 PM ]