المشاركات المكتوبة بواسطة mohamad issa
معركة التحرير الكبرى: من قيود
الشيطان إلى رحاب الصدق
خلاصة فكرية لمحاضرة الدكتور جمال
عبد الستار
منذ اللحظة الأولى للهبوط على الأرض، أُعلنت خارطة الطريق بوضوح:" قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ". هبط الإنسان بمشروعه الإيماني، وهبط الشيطان بمشروع الاستقلال والفساد. ومنذ ذلك الحين، انقسمت المسارات إلى فريقين لا ثالث لهما: فريق هدى، وفريق حق عليهم الضلالة لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله.
الشيطان.. احتلال العقول والمراكز
إن أخطر ما في مشروع الشيطان ليس كسر الأبواب، فهو لا يملك سلطة الإجبار، بل سلطة "الوسوسة". الشيطان يتسلل ولا يقتحم؛ يفتح الباب بفكرة، فإذا استجبت لها، حملت أنت مسؤولية الدخول.
لقد تسلل هذا العدو إلى "مراكز القيادة" فينا:
- ثوابت العقيدة: ألقى عليها سموم الشك.
- وساد الأخلاق: وضع عليه تدبيرات الفساد.
- العلاقة بالله: زرع فيها الشبهات وعدم الثقة بالوعد.
هذا التسلل تحول إلى "احتلال كامل" للقلب، فأصبح المرء يتحرك بأمر وسوسته، حتى في أقدس العبادات. كم منا من يدخل الصلاة "مخطوفاً"؟ يكبر تكبيرة الإحرام، فيفتح الشيطان له سجلات الدنيا وخططها، ليخرج من صلاته ولم يُكتب له منها إلا عُشرها!
رمضان.. فرصة لاستعادة "مركز القيادة"
يأتي رمضان والعدو الرئيسي "مصفد"، وهذه منحة إلهية كبرى، لكن المشكلة تكمن فينا نحن "المكبلين" بآثار ذلك الاحتلال القديم. إن مهمتنا الرئيسية في هذا الشهر ليست مجرد إتمام "برنامج" أو صيام "جسد"، بل هي استعادة مركز القيادة (القلب).
إذا لم تتحرر النفوس من الداخل، فلن تتحرر الأمة في الخارج. التحرر يبدأ بـ "تخلية" القلب من الذنوب القديمة التي يتخذها الشيطان ثغوراً يدخل منها، ثم "تحليته" بالصدق.
الصدق: مفتاح النصر والقبول
الصدق هو الذي يختصر المسافات بين الأرض والسماء. كما قال النبي ﷺ للأعرابي: "إن تصدق الله يصدقك". الصدق ليس كلمة تقال، بل هو منهج حياة يشمل:
مدخل الصدق: أن تبدأ كل عمل خالصاً لله.
مخرج الصدق: أن تنتهي منه ثابتاً على الحق.
لسان الصدق: أن يضع الله لك القبول والذكر الحسن في العالمين.
إن ما يُحصّل في الصدور هو الذي يبقى في الموازين، وما كان للمظاهر والأجساد فهو "بعثرة" لا قيمة لها. رمضان هو "موسم التدبر" لا لمجرد التلاوة، بل لينزل القرآن على القلب فيحدث التغيير.
اليقين في زمن الفيلة
لا ينبغي لأهل الإيمان أن ترهبهم كثرة الخبث أو طوفان الظلم. في عالم الأسباب، كانت فيلة أبرهة لا تُقهر، لكن في عالم الغيب، كان هناك "هودج صغير" يجهزه الله (ميلاد النبي ﷺ) ليغير وجه التاريخ.
مهما علت أصوات "فيلة الباطل"، فإن "طيور الحق" ما زالت في السماء. واجبنا أن نكون "حقاً" ليزهق بنا الباطل، فالله لا يقذف بالموهوم، بل "نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ".
خاتمة: ليكن شعارنا في رمضان هذا العام: "التحرر". التحرر من العادات، من قيود الشيطان، ومن عبودية المظاهر. إن الله إذا علم في قلوبنا خيراً، آتانا خيراً مما أُخذ منا. لنصدق الإقبال على الله في "مُعتصر" التربية الرمضاني، لنخرج مؤهلين للقيام بواجبنا في "مُدثر" التمكين والنصر.
