المشاركات المكتوبة بواسطة mohamad issa

الحاجة إلى القرآن
د. أحمد مسمح
حين تعطش الأرض تبتهل إلى الغيث ليُروي ظمأها، وحين يجوع الإنسان يبتغي الطعام ليُقيم أوده، وحين يخاف الطفل يلوذ بأمه طلبًا للدفء والأمان، أما حين تظمأ الروح وتضيق النفس، فلا يرويها إلا القرآن الكريم؛ فهو ربيع القلوب، ونور الصدور، وسكينة الأرواح، به تزول الوحشة، وتنجلي الهموم، وتطمئن القلوب بذكر الله. قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57]
نستأنس بكلماتٍ كتبها العلّامة الشيخ البشير الإبراهيمي -رحمه الله- في مقدمة تفسير ابن باديس:
القرآن الكريم هو كتاب الإنسانية السامية، أنزله الله حين أثقلت البشرية أهواؤها، واستبدت بها شهواتها، فانحدرت من مقام التكريم إلى دركات الحيوانية، وأخلدت إلى الأرض، فأفسدت فيها. فجاء القرآن هدايةً ورحمةً، يصلح به الله أحوال الأرض، ويرشد الإنسان، خليفة الله فيها، إلى الصراط الموصل إلى ربه، ويجدد ما بلي من صلته بخالقه.
وما أشبه حال الإنسانية اليوم بحالها قبل نزول القرآن؛ فقد جفّت العواطف، واستبدّت الغرائز، وتحكمت الأهواء، والتبست السبل، وسادت شريعة القوة، وتغولت المادية حتى غدت وث عن أن يقودها إلى الهداية، كما عجز من قبل، حتى أيّده الله بنور الوحي، يقجزته الكبرى في إصلاح الإنسان وبناء الحضارة، فإنه قادر على أن يجدد تلك المعجزة في كل عصر، متى وجد العقول التي تعيه كما وعاه السلف، والهمم التي تحمله وتبلغه كما حملوه وبلغوه. فالقرآن لا يُثمر آثاره في إصلاح النفوس إلا إذا تلقته عقول واعية، وطبقته نفوس مؤمنة، وعملت به همم عالية، علىنيةً جديدة.
وما أشد حاجة البشرية اليوم إلى القرآن، وهي تتخبط في ظلمات الضلال، بعدما عجز العقل وحده عن أن يقودها إلى الهداية، كما عجز من قبل، حتى أيّده الله بنور الوحي، يقوّم اعوجاجه إذا ضعف، ويصحح مساره إذا اختل ميزانه.
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [ الشورى: 52]
وكما جاء القرآن عند أول نزوله بمعجزته الكبرى في إصلاح الإنسان وبناء الحضارة، فإنه قادر على أن يجدد تلك المعجزة في كل عصر، متى وجد العقول التي تعيه كما وعاه السلف، والهمم التي تحمله وتبلغه كما حملوه وبلغوه. فالقرآن لا يُثمر آثاره في إصلاح النفوس إلا إذا تلقته عقول واعية، وطبقته نفوس مؤمنة، وعملت به همم عالية، على نهج الجيل الأول.
أما أن يقتصر أمره على حفظ الألفاظ دون تدبر المعاني، أو على فهم سطحي، أو تفسير لفظي جامد، فإن ذلك لا يورث هداية، ولا يقيم أمة، بل يزيد المسلمين بعدًا عن مقاصد القرآن، ويغري أعداءهم بالاستخفاف بهم، والتسلط على أوطانهم ومقدراتهم.
ولو أننا فهمنا القرآن كما فهمه السلف، وعملنا به كما عملوا، وجعلناه الحاكم على نفوسنا وأهوائنا، ووزنّا أقوالنا وأعمالنا بميزانه، لعادت إلينا العزة، واستعدنا مكانتنا، وكنا أئمةً يُقتدى بنا، كما أراد الله لهذه الأمة أن تكون.
المصدر: تفسير ابن باديس (في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير)، ص16