Blog entry by mohamad issa

الصناعة القرآنية للإنسان: من قطع العلائق إلى كمال العبودية
خلاصة فكرية لمحاضرة الدكتور جمال عبد الستار
الأمة اليوم في أحوج ما تكون إلى الإنسان المصنوع وفق مراد الله. ومفهوم "الصناعة" يختلف جذرياً عن مجرد التعليم أو التربية أو الإصلاح؛ فالتعليم إضافة للمعلومات، والتربية زيادة في القيم، والإصلاح ضبط للأعطال، أما الصناعة فتجمع كل ذلك في أهدافها ووسائلها ومدتها. وقد استعمل القرآن الكريم هذا اللفظ بوضوح في قوله تعالى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}، وقوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}.
إن الإعجاز التغييري للقرآن هو من أبرز أنواع الإعجاز التي نحتاج إلى إبرازها. فالقرآن لم يبنِ الجيل الأول من خامات جاهزة، بل صاغهم صياغة فريدة، وحولهم في زمن قياسي من أمة تتناحر على أتفه الأسباب إلى سادة للأمم وقادة للدنيا.
الركيزة الأولى: قطع العلائق
تبدأ صناعة الإنسان الرسالي بقطع العلائق الدنيوية، ليكون للمرء مصدر واحد للتلقي والتربية، وهو "الوحي". وقد تجلى هذا المبدأ بوضوح في سير الأنبياء:
- إبراهيم عليه السلام: قُطعت علائقه بوالده الذي كان يصنع الأصنام، ليتربى على التوحيد الخالص.
- محمد صلى الله عليه وسلم: نشأ يتيماً منقطع العلائق بالأب والأم، ليتولى الله سبحانه وتعالى صناعته.
- موسى عليه السلام: أُخذ من أمه ورُبي في قصر فرعون، على عكس مرادات التربية البشرية.
- يوسف عليه السلام: أُبعد عن حضن أبيه ليمر بابتلاءات البئر والعبودية والسجن.
قطع العلائق يعني التحرر من كل قيد يمنع الإنسان من السير إلى الله، سواء كان هذا القيد مالاً، أو سلطة، أو شهوة، أو حتى التقاليد والعادات البالية، ليكون الدخول على الله بقلب سليم، امتثالاً لقوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.
الحج كنموذج تطبيقي للعبودية الخالصة
تأتي العبادات والمواسم الشرعية، كالحج وعشر ذي الحجة، لتساعد في هذه الصناعة القرآنية. الحج ليس مجرد مناسك شكلية؛ بل هو مدرسة عملية لقطع العلائق مع الدنيا.
حين يحرم الحاج من الميقات، فإنه يخلع معه كل دواعي التفاضل الدنيوي من أزياء ومناصب وثروات، ليدخل على الله من باب واحد فقط: باب العبودية. وعندما يطوف بالكعبة، فهو يعلن بلسان الحال والمقال أنه يطوف مع الإسلام حيث دار، ويدور مع الوحي، لا مع أهوائه ولا مصالحه الشخصية.
أبواب التعرف على الله
لا يمكن للإنسان أن يقطع علائقه بالدنيا بحق، إلا إذا امتلأ قلبه بمعرفة الله. وكلما تعرف العبد على ربه، استغنى به عن كل شيء واعتز به فوق كل شيء. والتعرف على الله له بابان عظيمان:
1. التعرف على أسمائه وصفاته: تحويل أسماء الله الحسنى إلى منهجية تربوية حية. فمن أدرك حقاً معنى اسم الله "السميع"، وأيقن أنه لا يغيب عن سمعه شيء من همس أو جهر، استقام حاله، وعاش مستشعراً مراقبة الله في كل سكناته وحركاته.
2. التفكر في آلائه ومخلوقاته: دعانا القرآن مراراً للتأمل في الكون والنفس، كما في قوله: > {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}، وقوله: > {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ}. إن في كل ذرة في هذا الكون آية وبصمة تدل على الخالق المدبر لمن أبصر وتفكر.
عرفة: فرصة الميلاد الجديد ودفن الذنوب
يوم عرفة هو يوم "التعرف"، حيث يتجرد الإنسان من كل انشغالاته ليدخل على الله بقلب منكسر. العبرة في عرفة ليست بمجرد كثرة الأذكار، بل بصدق التوجه.
عرفة هو المكان الذي تُدفن فيه الذنوب بلا رجعة، وذلك عبر خطوات عملية صارمة:
- حسن الظن بالله: الدخول على الله بيقين كامل في رحمته وقبوله.
- الندم والإقلاع: استحضار الذنوب، والندم على فعلها، والعزم الأكيد على عدم العودة إليها.
- رد المظالم: وهو الشرط الأخطر؛ فحقوق العباد لا تسقط بمجرد الاستغفار أو الحج. فمن اقتطع حق امرئ مسلم فقد أوجب الله له النار، ولا بد من التحلل من المظالم وإعادة الحقوق لأصحابها لتكتمل التوبة.
الخاتمة: بيعة على إقامة الدين
· إن الإنسان الرسالي، المصنوع على عين الله، هو من يجدد البيعة مع خالقه على حَمْل هذا الدين وإقامته في الأرض، مستحضراً قوله تعالى: > {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. وإذا ما ضاقت به السبل، آوى إلى "كهف" الخلوة والمناجاة ليصحح بوصلته، موقناً أن الفرج والفتح مرتبطان بصدق القلوب، كما قال تعالى: > {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}.
· فلنجعل من هذه المعاني القرآنية والمحطات الإيمانية انطلاقة لـ "صناعة إنسان" لا يلين ولا ينكسر، متمسكاً بدعاء النبي الأكرم: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر".